كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم الثلاثاء، عن تفاصيل اتصال هاتفي مطول أجراه مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. ودعا ماكرون خلال الاتصال القيادة في طهران إلى ضرورة الانخراط "بحسن نية" في مسار المفاوضات الجارية حالياً، معتبراً أن هذا المسار يمثل الفرصة الأخيرة لفتح أفق حقيقي لخفض التصعيد العسكري ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة مدمرة.
ووفقاً لما ذكرته وكالات الأنباء، فإن ماكرون شدد على ضرورة الوقف الفوري للهجمات التي وصفها بـ "غير المقبولة" ضد دول المنطقة، مؤكداً أن فرنسا تضع حماية البنية التحتية للطاقة وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز على رأس أولوياتها الدولية.
ويأتي هذا التحرك الفرنسي في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تضارباً حاداً في الروايات؛ فبينما يتحدث الرئيس ترمب عن "نصر حاسم" وقرب التوصل لصفقة شاملة تشمل التخلي عن السلاح النووي، تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار الرشقات الصاروخية التي تطال العمق الإسرائيلي والقطع البحرية الأمريكية.
وبحسب تقارير صحفية، فإن ماكرون يحاول لعب دور "الوسيط النزيه" الذي يوازن بين الضغوط الأمريكية العنيفة وبين الحاجة الإيرانية لتأمين مخرج يحفظ كرامة النظام، خاصة في ظل التهديدات الأمريكية بقصف منشآت الطاقة الحيوية. إن دعوة باريس لطهران بتقديم "تنازلات كبرى" تعكس قناعة أوروبية بأن الأدوات التقليدية للدبلوماسية لم تعد تجدي نفعاً أمام "لغة القوة" التي يفرضها البيت الأبيض حالياً.
ضغوط الطاقة وأمن الملاحة الدولية
أوضح الرئيس الفرنسي في تصريحاته أن الحفاظ على أمن إمدادات الطاقة العالمية يعد خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، محذراً من أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز سيؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة تتخطى حدود المنطقة.
ويرى مراقبون أن مطالبة ماكرون بإعادة حرية الملاحة تأتي رداً على التقارير التي تشير إلى فرض طهران لرسوم باهظة على السفن المارة، واستهداف منشآت نفطية في دول الجوار. إن الموقف الفرنسي، رغم تقاطعه مع التوجهات الأمريكية في ضرورة كبح الطموح النووي والبالستي الإيراني، إلا أنه يميل أكثر نحو الحلول السياسية المستدامة التي تجنب القارة الأوروبية تبعات أزمة وقود خانقة، خاصة مع ارتفاع أسعار البنزين عالمياً بنسبة تجاوزت الـ 30% منذ بدء الحرب.
وعلى الصعيد الميداني، يتقاطع اتصال ماكرون مع ما أعلنه ترمب عن "هدية إيرانية كبيرة" وصلت واشنطن اليوم تتعلق بملفات النفط والغاز، مما يعزز الفرضية القائلة بأن هناك تفاهمات تحت الطاولة يتم إنضاجها بعيداً عن ضجيج المعارك. وبحسب ما نشرته صحيفة "اليوم السابع"، فإن ماركو روبيو وجي دي فانس يشاركان بفاعلية في هذه المفاوضات إلى جانب مبعوثين خاصين مثل جاريد كوشنر، مما يشير إلى أن واشنطن قررت استخدام كافة أوراق الضغط، بما في ذلك التهديد بـ "الإظلام الشامل" عبر ضرب محطات الكهرباء، لإرغام طهران على القبول بشروط قاسية تضمن أمن إسرائيل والملاحة الدولية.
الترقب الإقليمي وفرص الهدنة
تتزامن هذه التحركات الدبلوماسية مع دعوات متزايدة لإقرار "هدنة عيد الفطر" لإفساح المجال أمام العمل الإنساني والسياسي، وهو المقترح الذي يدعمه ماكرون بقوة ويراه مخرجاً مؤقتاً لتهدئة الأوضاع.
إلا أن حالة التوتر في الداخل الإسرائيلي، مع استمرار دوي صافرات الإنذار في تل أبيب، تضع عوائق كبيرة أمام أي مسار تفاوضي لا يضمن توقف الهجمات الصاروخية بشكل كامل.
إن الرسالة التي وجهها ماكرون لبزشكيان تحمل في طياتها تحذيراً مبطناً من أن الوقت بدأ ينفد، وأن استمرار التصلب في المواقف قد يؤدي إلى فقدان إيران لقدرتها على المناورة السياسية تماماً، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن انهيار أجزاء واسعة من منظومتها الدفاعية والقيادية.
ويرى محللون سياسيون أن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير هذه الحرب؛ فإما أن تنجح الوساطة الفرنسية-الإقليمية في تثبيت مسار تفاوضي يؤدي إلى خفض تدريجي للتصعيد، أو أن نكون أمام موجة جديدة وأكثر عنفاً من الضربات الجوية والصاروخية التي قد تطال المفاصل المتبقية من الدولة الإيرانية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة القادة الحاليين في طهران على تقديم التنازلات التي يطالب بها المجتمع الدولي، في وقت لا يزال فيه "الحرس الثوري" يصر على أن لغة الصواريخ هي الوحيدة القادرة على حماية السيادة الوطنية من "الغطرسة الأمريكية" المتمثلة في سياسات الرئيس ترمب.









