نظم مئات النشطاء الإسبان والمتضامنون مع القضية الفلسطينية، مظاهرة احتجاجية حاشدة في محيط ملعب "موفيستار أرينا" بالعاصمة مدريد، استجابةً لدعوات أطلقتها منظمات المجتمع المدني والسياسي اليساري.
وجاء هذا التحرك الشعبي قبيل انطلاق مباراة الجولة 33 من الدوري الأوروبي لكرة السلة بين فريقي ريال مدريد و"هبوعيل تل أبيب"، في مشهد يعكس حالة الغليان الشعبي في إسبانيا تجاه السياسات الإسرائيلية، ورفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية ولافتات ضخمة حملت عبارة "الإبادة الجماعية ليست لعبة"، في إشارة واضحة لرفض استغلال الرياضة لتبييض صورة الاحتلال، وهتف المحتجون بشعارات تطالب بالحرية لفلسطين ووقف العدوان على لبنان، مؤكدين أن وجود الفرق الإسرائيلية في الملاعب الأوروبية يمثل "طعنة" في قيم الروح الرياضية وحقوق الإنسان العالمية.
وعلى وقع الهتافات المناهضة لـ "إسرائيل"، اتخذت الحكومة الإسبانية بالتنسيق مع شرطة مدريد قراراً استثنائياً بإقامة المباراة "بدون جمهور" (خلف أبواب مغلقة)، وذلك بعد تقييمات أمنية حذرت من وقوع اضطرابات واسعة داخل الملعب وخارجه.
إن هذا القرار يعكس إدراك السلطات الإسبانية لحجم الرفض الشعبي الذي لم يعد يتقبل مرور الفعاليات الرياضية الإسرائيلية كأن شيئاً لم يكن، ويرى منظمو التظاهرة أن منع الجمهور هو "نصف انتصار" للشارع، لكن الهدف الأسمى يظل هو "العزل الرياضي الكامل" للفرق الإسرائيلية، أسوة بالقرارات الدولية التي اتُخذت سابقاً ضد دول أخرى انتهكت القانون الدولي، مشددين على أن استمرار العمليات العسكرية في غزة ولبنان يسقط الشرعية الأخلاقية عن أي تمثيل رياضي إسرائيلي في القارة العجوز.
تسييس الملاعب وتنامي حركة المقاطعة
أكد المشاركون في تظاهرة مدريد أن مطالبهم تتجاوز مجرد الاحتجاج اللحظي، لتصب في خانة الضغط على "الدوري الأوروبي" والاتحادات الدولية لمنع مشاركة الفرق الإسرائيلية، واصفين هذه المشاركات بأنها "أداة دعائية" تستخدمها تل أبيب لصرف الأنظار عن جرائم الحرب، وأوضح منظمو الحراك اليساري أن الرياضة لا يمكن فصلها عن الواقع الإنساني المرير في غزة ولبنان.
حيث تُدمر الملاعب ويُقتل الرياضيون الفلسطينيون واللبنانيون يومياً، إن هذا الوعي المتنامي في الشارع الإسباني، والذي يلقى دعماً من بعض القوى السياسية الحاكمة، يضع الأندية والمنظمات الرياضية الكبرى أمام مأزق أخلاقي، فبينما تحاول هذه المنظمات الحفاظ على "الحياد"، يصر الشارع على أن الصمت في وجه الإبادة هو "مشاركة فيها"، مما ينذر بمزيد من التصعيد والاحتجاجات في كل مباراة طرفها فريق إسرائيلي على الأراضي الأوروبية.
إن أحداث ليلة أمس في مدريد لم تكن مجرد مباراة كرة سلة، بل كانت استحقاقاً سياسياً وإنسانياً كشف عن الهوة العميقة بين القرارات الرياضية الرسمية والنبض الشعبي الأوروبي، إن تحول ملعب "موفيستار أرينا" إلى حصن أمني مغلق يؤكد أن "القوة الناعمة" للرياضة الإسرائيلية بدأت تتآكل تحت وطأة الصور القادمة من غزة ولبنان.
ستبقى الشعارات التي رفعتها المنظمات اليسارية في مدريد صدىً لضغط دولي متزايد يهدف لتحويل "المقاطعة الرياضية" إلى واقع ملموس، ليصبح الملعب مكاناً للمنافسة الشريفة لا منصةً لمن يمارس العدوان، بانتظار استجابة حقيقية من المؤسسات الدولية تعيد الاعتبار للقيم الإنسانية فوق لغة الأهداف والسلات.










