20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الأمن الغذائي اللبناني في خطر: تداعيات العدوان الإسرائيلي على الحيازات الزراعية الصغيرة

أعلنت وزارة الزراعة اللبنانية في تقريرها الأسبوعي الأول منذ بدء التصعيد، عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة التي حلت بالقطاع الزراعي

بقلم: محمد خميس
٢٨ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
تعبيرية

تعبيرية

أعلنت وزارة الزراعة اللبنانية في تقريرها الأسبوعي الأول منذ بدء التصعيد، عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة التي حلت بالقطاع الزراعي نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة منذ مطلع شهر مارس الجاري.

حيث أكدت الوزارة أن نسبة المساحات المتضررة بلغت 22 بالمئة من إجمالي الأراضي المزروعة في البلاد، وهو مؤشر خطير يضع الأمن الغذائي القومي على المحك في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة تعصف بلبنان.

 إن هذا الاستهداف الممنهج للأراضي الزراعية لا يمثل مجرد خسارة مادية آنية، بل هو ضربة استراتيجية للإنتاج المحلي الذي يعتمد عليه ملايين اللبنانيين في تأمين احتياجاتهم الأساسية، خاصة في ظل تعطل سلاسل التوريد وارتفاع أسعار السلع المستوردة، مما يجعل من الأرض اللبنانية اليوم ساحة لمواجهة من نوع آخر تستهدف مقومات البقاء والاستمرارية للمجتمع اللبناني بكافة فئاته.

جغرافيا الدمار: الجنوب والنبطية المتضرر الأكبر

كشف التقرير الرسمي لوزارة الزراعة أن الثقل الأكبر من الأضرار تركز بشكل مباشر ومكثف في محافظتي الجنوب والنبطية، اللتين تشكلان العمود الفقري للنشاط الزراعي في لبنان، حيث بلغت المساحات المتضررة فيهما وحدها نحو 44 ألفًا و297 هكتارًا، بينما توزعت المساحات المتبقية والتي بلغت ألفين و181 هكتارًا على باقي المناطق اللبنانية. 

هذا التفاوت الكبير يشير إلى تركيز العدوان على تدمير البنية التحتية الإنتاجية في المناطق الحدودية والريفية، حيث تم استهداف بساتين الزيتون المعمرة وأشجار الفاكهة التي تشكل مصدر الدخل الوحيد لآلاف العائلات، بالإضافة إلى تدمير البيوت البلاستيكية (الزراعات المحمية) التي تعد تقنية أساسية لتأمين الخضروات طوال العام، مما أدى إلى شلل تام في الحركة الزراعية في هذه المناطق الحيوية وتحويل مساحات خضراء شاسعة إلى أراضٍ محروقة غير قابلة للاستثمار في المدى المنظور.

خسائر فادحة في الثروة الحيوانية والنحل

لم تقتصر تداعيات العدوان الإسرائيلي على الغطاء النباتي والأشجار فحسب، بل امتدت لتطال الثروة الحيوانية بشكل كارثي ومباشر، حيث أفاد تقرير وزارة الزراعة بتسجيل نفوق نحو 49 بالمئة من خلايا النحل في المناطق المستهدفة، وهي خسارة بيئية واقتصادية لا تقدر بثمن نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه النحل في التوازن البيئي وتلقيح المحاصيل. 

كما سجل القطاع السمكي تراجعاً حاداً بنفوق 39 بالمئة من الأسماك، علاوة على الخسائر المتفاوتة والجسميمة التي لحقت بقطعان الأبقار والأغنام والدواجن نتيجة القصف المباشر أو بسبب تعذر وصول المزارعين لتأمين الأعلاف والمياه لحيواناتهم. 

هذه الأرقام تعكس انهياراً شبه كامل لمنظومة الإنتاج الحيواني في المناطق المتضررة، مما سيتسبب في نقص حاد في اللحوم والألبان ومنتجات النحل في الأسواق المحلية، ويزيد من تبعية لبنان للخارج لتأمين هذه المواد الأساسية.

النزوح القسري وتعطل الدورة الإنتاجية

حذر خبراء اقتصاديون وزراعيون من أن موجة النزوح الواسعة التي شملت أكثر من مليون شخص نتيجة العدوان، تشكل تهديداً وجودياً لاستمرارية العملية الإنتاجية في البلاد، ففقدان اليد العاملة الزراعية وهجرة المزارعين لأراضيهم قسراً أدى إلى توقف كامل لأعمال القطاف والري والزرع، وهو ما يعني فقدان مواسم كاملة كانت في طور النضوج.

إن تعطل الدورة الزراعية لا يمكن إصلاحه بقرار إداري، بل يتطلب سنوات من العمل لإعادة استصلاح الأراضي وتعويض الفاقد من الأشجار والمواشي، خاصة وأن الحيازات الزراعية الصغيرة والمتوسطة، التي تعتبر الأكثر هشاشة، هي التي تحملت العبء الأكبر من هذا الدمار. 

هذا الواقع يضع الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية أمام مسؤولية تاريخية للتدخل السريع من أجل دعم صمود المزارعين المتبقين وتأمين بدائل غذائية عاجلة لمنع انزلاق البلاد نحو مجاعة حقيقية تهدد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.

الحصيلة البشرية المروعة وانعكاساتها

بالتوازي مع الدمار الاقتصادي والزراعي، ترسم بيانات وزارة الصحة اللبنانية صورة قاتمة للوضع الإنساني، حيث أسفر العدوان الموسع منذ مطلع مارس الجاري عن استشهاد 1142 شخصاً وإصابة 3 آلاف و315 آخرين، أغلبهم من المدنيين القاطنين في القرى الزراعية المستهدفة هذه الخسائر البشرية الفادحة تعني فقدان "رب الأسرة" و"المنتج" في الكثير من الحيازات الزراعية، مما يترك آلاف العائلات بلا معيل وبلا أرض تنتج لهم قوت يومهم. إن استهداف المزارعين في حقولهم هو انتهاك صارخ للقوانين الدولية، ويهدف بشكل أساسي إلى إفراغ المناطق الحدودية من سكانها وتحويلها إلى منطقة عازلة غير مأهولة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري ويجعل من عملية إعادة الإعمار والعودة إلى الأرض مهمة شاقة تتطلب تكاتفاً وطنياً ودولياً غير مسبوق لتجاوز آثار هذا العدوان الغاشم.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال