تظاهر مئات الإسرائيليين، اليوم السبت، في مدينة تل أبيب وعدد من المدن والبلدات الأخرى، في تحرك جماهيري واسع للمطالبة بوقف العدوان المتواصل على إيران، والذي دخل شهره الثاني منذ اندلاعه في أواخر فبراير/شباط الماضي.
وشهدت ساحة "هبيما" وسط تل أبيب المظاهرة المركزية الأكبر، حيث احتشد المشاركون بدعوة من ائتلاف مدني يضم عشرات منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى جهات ناشطة سياسياً تعارض النهج الحالي للحكومة الإسرائيلية.
ورفع المتظاهرون شعارات تندد بما وصفوه بـ "الحرب الأبدية"، مؤكدين أن استمرار التصعيد العسكري مع طهران وحلفائها في المنطقة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدماء والدمار لجميع شعوب المنطقة، وهو ما يعكس شرخاً متزايداً في الداخل الإسرائيلي تجاه القرارات الاستراتيجية التي يتخذها الائتلاف الحاكم في ظل الظروف الراهنة.
قمع أمني تحت ذريعة قيود الجبهة الداخلية
لم يمر الحراك الاحتجاجي بهدوء، حيث تدخلت شرطة الاحتلال بشكل عنيف لتفريق المتظاهرين في عدة نقاط، واعتدت بالضرب والدفع على عدد من المشاركين، مبررة ذلك بخرق القيود الصارمة التي تفرضها تعليمات "الجبهة الداخلية".
وتمنع هذه التعليمات التجمعات التي تزيد عن 50 شخصاً في معظم أنحاء البلاد بذريعة المخاطر الأمنية وضرورة توفر أماكن آمنة قريبة (ملاجئ).
ويرى المحتجون أن هذه القيود يتم توظيفها سياسياً لتكميم الأفواه ومنع خروج التظاهرات المناهضة للحكومة، خاصة وأن النشاطات التجارية واليومية تسير بشكل طبيعي في مناطق أخرى، مما يثير تساؤلات حول استخدام "الحالة الأمنية" كأداة لضرب الحريات العامة ومنع أي حراك يطالب بوقف العمليات العسكرية التي تستنزف موارد الدولة وأمن مواطنيها.
ضحايا الحروب في قلب التظاهرات الإسرائيلية
في مشهد لافت للنظر، حرص المشاركون في المظاهرات على رفع صور الأطفال الذين قُتلوا منذ اندلاع دوامة العنف الأخيرة، سواء في إيران أو لبنان أو إسرائيل أو قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
هذه الخطوة جاءت للتعبير عن رفض قاطع لتوسع رقعة المواجهة العسكرية وتحولها إلى حرب إقليمية شاملة تحصد أرواح المدنيين الأبرياء في كل مكان.
وشملت هذه التحركات نحو 20 موقعاً مختلفاً، امتدت من القدس ومفترق "كركور" قرب برديس حنا وصولاً إلى مدينة حيفا، تحت شعار موحد وبارز: "لا للحرب الأبدية للحكومة الكهانية، نعم لسلام عادل وأمن لشعوب المنطقة". هذا الشعار يعكس بوضوح اتهام المتظاهرين لبعض الأطراف المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية بالدفع نحو تأجيج الصراعات لخدمة أجندات أيديولوجية ضيقة على حساب الأمن القومي الحقيقي.
احتجاجات الشمال والاتهامات بالإهمال الحكومي
بالتوازي مع تظاهرات تل أبيب، شهد مفترق "هغوما" احتجاجاً نوعياً شارك فيه العشرات من سكان مناطق الشمال والبلدات الحدودية، الذين أعربوا عن سخطهم الشديد من أداء الحكومة خلال الشهرين الماضيين.
واتهم المتظاهرون الائتلاف الحاكم بالانشغال بتوسيع صلاحياته السياسية والقانونية في وقت يتعرض فيه السكان للقصف المستمر من دون إنذار كافٍ أو توفير حماية لوجستية وأمنية حقيقية.
وأشار منظمو الاحتجاج إلى أن تفاقم الأوضاع في الشمال أصبح لا يُطاق، حيث تحولت حياتهم إلى كابوس يومي تحت وطأة الصواريخ المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله، معتبرين أن الحكومة تخلت عن واجباتها الأساسية تجاه مواطنيها في تلك المناطق، مفضلة الاستمرار في سياسة التصعيد العسكري غير المحسوب النتائج بدلاً من البحث عن حلول ديبلوماسية تضمن عودة الهدوء والاستقرار.
انخراط إقليمي وانسداد في الأفق السياسي
تأتي هذه الاحتجاجات الداخلية في ظل تعقيدات ميدانية غير مسبوقة، حيث تتواصل الهجمات المتبادلة بين إسرائيل وإيران وحزب الله، مع دخول أطراف أخرى على خط المواجهة مثل جماعة الحوثيين في اليمن وفصائل في العراق ودول الخليج.
هذا الانخراط الإقليمي الواسع زاد من مخاوف الشارع الإسرائيلي من الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة الأمد لا تلوح في أفقها أي نهاية واضحة.
ويرى مراقبون أن الضغط الشعبي المتزايد في المدن الكبرى قد يشكل عامل ضغط على صانع القرار في تل أبيب، خاصة مع تدهور الوضع الاقتصادي وتضرر قطاعات حيوية نتيجة التعبئة المستمرة وحالة الطوارئ الدائمة، وهو ما يضع الحكومة أمام خيارين أحلاهما مر: إما المضي قدماً في مغامرة عسكرية إقليمية مجهولة النتائج، أو الرضوخ للمطالب الشعبية والدولية بوقف إطلاق النار والبحث عن تسويات شاملة.








