20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

السودان.. استنزاف عسكري وانسداد الأفق السياسي

يدخل السودان، خلال المرحلة الحالية في حالة من الاستنزاف العسكري طويل الأمد، إذ تحولت المواجهات إلى حرب استنزافية لا تكترث بالتكاليف البشرية أو المادية، حيث يستمر القتال في كوردوفان ودارفور دون تحقيق أي طرف انتصارًا حاسمًا رغم مرور أكثر من ألف يوم على بداية النزاع.

بقلم: محمد أبو غالي
٢٩ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
14 مشاهدة
السودان.. استنزاف عسكري وانسداد الأفق السياسي

السودان.. استنزاف عسكري وانسداد الأفق السياسي

يدخل السودان، خلال المرحلة الحالية في حالة من الاستنزاف العسكري طويل الأمد، إذ تحولت المواجهات إلى حرب استنزافية لا تكترث بالتكاليف البشرية أو المادية، حيث يستمر القتال في كوردوفان ودارفور دون تحقيق أي طرف انتصارًا حاسمًا رغم مرور أكثر من ألف يوم على بداية النزاع.

وبحسب تقرير منظمة "دابانجا" في يناير 2026، أصبح الوضع العسكري في حالة جمود حقيقي مع تركيز كل طرف على تعزيز مناطق نفوذه بدلًا من خوض معارك فاصلة، إذ سيطرت قوات الدعم السريع على معظم دارفور بعد سقوط الفاشر في أكتوبر 2025، بينما تحافظ القوات المسلحة على سيطرتها على الشمال والشرق والمركز بما في ذلك أجزاء واسعة من الخرطوم. هذا الاستنزاف يعكس فشلًا استراتيجيًا مشتركًا يدفع المدنيين ثمنه الأعلى، إذ أدى إلى تدمير البنية التحتية وإغلاق طرق الإمدادات، مما يجعل كل تقدم ميداني مؤقتًا ومكلفًا، في مشهد يذكر بكيفية تحول الصراع على السلطة إلى كارثة وطنية تستهلك موارد البلاد وأرواح أبنائها دون أفق واضح.


يبرز البعد الإنساني المأساوي في هذا الاستنزاف من خلال الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيرة التي حولت ساحات المعارك إلى مناطق موت عشوائي، حيث سجلت الأمم المتحدة زيادة حادة في الهجمات بالدرونات خلال 2026 أسفرت عن مقتل أكثر من 500 مدني في كوردوفان وحدها بين يناير ومارس.

وفقًا لتقرير الأمم المتحدة في 24 مارس 2026، أدى قصف مستشفى التعليمي في الضعين بولاية شرق دارفور يوم 20 مارس إلى مقتل 70 شخصًا بينهم 13 طفلًا وسبع نساء وأطباء وممرضون، مما أدى إلى إغلاق المنشأة الوحيدة التي تخدم أكثر من مليوني شخص. هذه الهجمات لا تُعد مجرد حوادث حرب بل انتهاكات صارخة للقانون الإنساني الدولي، تكشف عن كيفية تحول الاستنزاف العسكري إلى سياسة ممنهجة تستهدف الحياة المدنية نفسها، فيما يستمر الطرفان في رفض أي تنازلات حقيقية رغم الإرهاق الواضح لقواتهما وتآكل قدرات الدولة السودانية.

انسداد الأفق السياسي

يواجه السودان انسدادا سياسيا مطلقا يجعل أي حل تفاوضي يبدو بعيد المنال، إذ فشلت كل المبادرات الدولية والإقليمية في إقناع الطرفين بالتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم أو انتقال سياسي يعيد السلطة إلى المدنيين، رغم مرور ثلاث سنوات كاملة على الصراع الذي بدأ كخلاف على دمج قوات الدعم السريع في الجيش.

بحسب تحليل مجلس الأزمات الدولي في مارس 2026، أدت خارطة الطريق التي طرحتها مجموعة "الرباعية" (أمريكا والسعودية والإمارات ومصر) في سبتمبر 2025 إلى محادثات غير مباشرة فقط، سرعان ما توقفت بسبب التنافسات الإقليمية، مما يعكس غياب إرادة حقيقية لدى الجنرالين في التخلي عن السلطة.

هذا الانسداد يحول السودان إلى دولة مفككة فعليًا، حيث يسيطر كل طرف على مناطق نفوذه الخاصة دون اعتراف مشترك بسلطة مركزية، فيما ترفض قوات الدعم السريع أي مبادرات تطالب بانسحابها إلى معسكراتها، وتصر القوات المسلحة على أن أي حل يجب أن يبدأ بتفكيك الدعم السريع ككيان عسكري.


يتجلى الطابع الإنساني لهذا الانسداد في معاناة الملايين الذين ينتظرون بلا جدوى نهاية للعنف، إذ أصبح السلام مجرد شعار يُستخدم في البيانات الدبلوماسية دون ترجمة حقيقية على الأرض. وفقًا لتقرير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في مارس 2026، يواجه أكثر من 33 مليون سوداني انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع مخاطر مجاعة تطال قرابة 400 ألف شخص في دارفور وكوردوفان، فيما يرفض الطرفان فتح ممرات إنسانية آمنة بشكل كامل.

هذا الواقع يعمق الشعور باليأس الوطني، حيث يرى المراقبون أن الانسداد السياسي ليس مجرد فشل دبلوماسي بل نتيجة مباشرة للطموحات الشخصية للقادة العسكريين الذين يفضلون استمرار القتال على تقاسم السلطة، مما يحكم على السودان بمستقبل من الفراغ السياسي والتفكك المؤسسي.


التدخلات الإقليمية المدمرة

تُعد التدخلات الإقليمية أحد أبرز عوامل إطالة أمد الاستنزاف العسكري في السودان، إذ تحولت الحرب الداخلية إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية تتجاوز الحدود السودانية، حيث تقدم دول مثل الإمارات دعمًا لوجستيًا وماليًا لقوات الدعم السريع بينما تدعم مصر والسعودية القوات المسلحة بأسلحة وطائرات مسيرة.

بحسب التقرير نفسه لمجلس الأزمات الدولي، أصبحت الإمارات الراعي الرئيسي للدعم السريع مما مكنها من الاستمرار في حصار الفاشر والهجمات في كوردوفان، فيما توفر مصر وتركيا وإيران أسلحة متقدمة للجيش السوداني، مما يعمق التصدع ويقلل من فرص أي حل سياسي. هذه التدخلات ليست مجرد دعم خارجي بل تحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، حيث تُستغل موارد البلاد كالذهب والموانئ لتمويل الحرب، في مشهد يذكر بكيفية تحول النزاعات الداخلية إلى أدوات لمشاريع إقليمية أوسع.

يكشف التحليل النقدي عن كيفية مساهمة هذه التدخلات في تعطيل أي أفق سياسي، إذ أدى التنافس بين الرياض وأبوظبي إلى تعثر جهود "الرباعية" رغم الاجتماعات المتكررة في 2025. وفقًا لتقرير الأمم المتحدة، يُحذر المبعوث الشخصي للأمين العام من أن استمرار تدفق الأسلحة يهدد بتصعيد إقليمي يمتد إلى تشاد وإثيوبيا، مما يجعل السلام السوداني رهينة حسابات خارجية.

هذا الواقع يبرز الجانب الإنساني المؤلم، حيث يدفع الشعب السوداني ثمن صراعات لا صلة له بها، فيما تستمر الدول الراعية في إطالة أمد الحرب تحت غطاء المصالح الاستراتيجية.


الكارثة الإنسانية المتفاقمة

تُمثل الكارثة الإنسانية في السودان أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم اليوم، إذ يعاني أكثر من 12 مليون شخص من النزوح الداخلي أو اللجوء إلى دول الجوار، بينما يواجه 33 مليونًا آخرون انعدام الأمن الغذائي الشديد مع اقتراب المجاعة من مناطق واسعة. بحسب تقرير مجلس العلاقات الخارجية، أدى القتال المستمر إلى تدمير النظام الصحي وإغلاق المستشفيات، كما حدث في الضعين، مما يترك ملايين المرضى بدون علاج.

هذه المأساة الإنسانية ليست نتيجة عرضية بل ثمرة سياسات الطرفين في استهداف المدنيين والمناطق الحيوية، في مشهد يعكس انهيار الدولة السودانية أمام طموحات عسكرية ضيقة.
يضيف البعد التحليلي هنا طبقة من الغموض المثير حول مستقبل السودان، إذ يبدو أن الاستنزاف العسكري والانسداد السياسي يمهدان لسيناريو تقسيم فعلي أو انهيار كامل، رغم الدعوات الدولية المتكررة لوقف إطلاق النار. الشعب السوداني، الذي يدفع ثمنًا باهظًا من الدم والجوع، يواجه واقعًا يجعل الأمل في السلام يبدو سرابًا، فيما تستمر الديناميكيات الإقليمية في تغذية النار بدل إطفائها، محولة بلدًا كان يومًا مهد الحضارات إلى أرض محروقة بالصراعات.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

السودان.. استنزاف عسكري وانسداد الأفق السياسي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°