قال الكاتب الصحفي محمد ربيع الشرقاوي، الباحث في الشؤون الأفريقية، إن حرب السودان، حتى هذه اللحظة لم تعد مجرد صراع بين طرفين عسكريين، بل تحوّل إلى حالة استنزاف مفتوح تُعاد فيها صياغة الدولة نفسها تحت ضغط السلاح.
وأضاف الشرقاوي في تصريحات لـ 180 تحقيقات، أنه منذ اندلاع المواجهات بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، كان هناك رهانا ضمنيا على الحسم السريع، لكن ما نشهده اليوم هو العكس تمامًا، فنحن أمام حرب طويلة، تُدار بمنطق إنهاك الخصم لا كسره، فالجيش يحافظ على تفوق نسبي في الجو وبعض المواقع الاستراتيجية، بينما تعتمد قوات الدعم السريع على الانتشار المرن داخل المدن، وهو ما خلق حالة من التوازن السلبي؛ لا غالب ولا مغلوب، لكن الجميع يخسر.
واستطرد، المتخصص في الشؤون الأفريقية، أن هذا الوضع انعكس مباشرة على خريطة السيطرة، فالخرطوم تحولت إلى ساحة مفتوحة للكرّ والفرّ، ودارفور تشهد تصعيدًا أكثر خطورة بطابع إثني وقبلي، بينما تظل مناطق أخرى خارج دائرة الحسم، وبالتالي لا يعكس هذا التفكك الجغرافي فقط تعقيد المعركة، بل يشير إلى تحول السودان إلى مسرح عمليات متعدد الجبهات، وهو واقع ميداني يتكرّس مع كل تطور جديد على الأرض.
ولفت إلى أن التصعيد الأخير في إقليم النيل الأزرق، عقب سقوط مدينة الكرمك في يد قوات الدعم السريع وحلفائها، يعكس انتقالًا نوعيًا في خريطة الصراع، من تمركز تقليدي في الخرطوم ودارفور إلى فتح جبهة شرقية شديدة الحساسية، وهو تحول لا يهدف فقط إلى توسيع نطاق العمليات، بل إلى إعادة توزيع الضغط العسكري وإجبار الجيش على القتال في مسارح متباعدة، بما يُضعف قدرته على التركيز وتحقيق اختراق حاسم.
وقال إن الخطورة تكمن في أن هذا التمدد يجري على تماس مباشر مع حدود إثيوبيا وجنوب السودان، وهو ما يرفع احتمالات تداخل العوامل الإقليمية في الصراع، خاصة مع تصاعد الاتهامات باستخدام أراضٍ حدودية كنقاط انطلاق أو دعم لوجستي، وفي هذه الحالة، لا يعكس اتساع الجبهات مجرد تطور عسكري، بل يشير إلى تحول تدريجي في طبيعة الحرب نفسها، من نزاع داخلي على السلطة إلى صراع مفتوح على توازنات إقليمية أكثر تعقيدًا.
وأشار إلى الأخطر من ذلك، أن الدولة السودانية نفسها تتآكل، فنحن لا نتحدث فقط عن معارك، بل عن انهيار تدريجي لوظائف الدولة: خدمات متوقفة، واقتصاد مشلول، ومساحات واسعة باتت خاضعة لاقتصاد الحرب والميليشيات، وهنا ندخل في دائرة مغلقة؛ الحرب تُضعف الدولة، وضعف الدولة يُطيل الحرب.
وبحسب الشرقاوي، يبدو المشهد السياسي في السودان، أكثر قتامة، فلا توجد حتى الآن قوة مدنية قادرة على فرض مسار تفاوضي حقيقي، ولا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات جوهرية، ورغم وجود مبادرات إقليمية ودولية إلا أنها متنافرة، وتفتقد إلى أدوات ضغط حقيقية تُجبر الأطراف على الجلوس إلى طاولة واحدة.
وأضاف: "في رأيي، نحن أمام تحول أخطر: الصراع لم يعد فقط على السلطة، بل يتجه تدريجيًا نحو صراع على البقاء، خاصة مع تصاعد البعد الإثني في بعض الأقاليم، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، قد تصل إلى تفكك فعلي للدولة"، مشيراً إلى أنه في حال استمر الوضع بهذا الشكل، فالسيناريو الأقرب هو استمرار حرب الاستنزاف، مع تدهور إنساني متسارع، وربما تشكّل مناطق نفوذ منفصلة على الأرض. أما أي تسوية سياسية، إن حدثت، فستكون على الأرجح مفروضة من الخارج، وهشة بطبيعتها.
وأكد الشرقاوي أن السودان اليوم يقف عند لحظة فارقة؛ فلا يوجد حسم عسكري في الأفق، ولا أفق سياسي واضح، وفي هذه الحالة، أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن الحرب من صراع على السلطة، إلى صراع على بقاء الدولة نفسها، وهي اللحظة التي تبدأ فيها الدول في التفكك، لا في التفاوض.




