تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات القصف على مناطق متفرقة في لبنان، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى في ظل تصعيد ميداني متسارع على الجبهة الجنوبية. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام باستشهاد 7 أشخاص وإصابة عدد من الجرحى في غارة استهدفت بلدة الحنية، فيما سقط شهيدان وثلاثة جرحى في غارة مماثلة على بلدة جويا. ويعكس هذا التصعيد تكثيفاً واضحاً في وتيرة الضربات الجوية، التي باتت تطال نطاقاً جغرافياً أوسع وبقوة نارية أعلى.
وامتد القصف ليشمل محيط مستشفى بنت جبيل، حيث استشهد مسعفان لبنانيان وأصيب آخرون، في استهداف مباشر يثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك. كما أسفرت غارات بطائرات مسيّرة عن شهداء وجرحى بعد استهداف مركز للهيئة الصحية الإسلامية قرب المستشفى، في حين استُهدف مركز آخر في بلدة دير كيفا دون تسجيل إصابات. ويؤشر ذلك إلى توسع بنك الأهداف ليشمل منشآت مدنية وإغاثية، ما يزيد من حدة التداعيات الإنسانية.
وشنّ الطيران الحربي سلسلة غارات بعد منتصف الليل طالت مناطق متعددة، بينها الجمالية شمال بعلبك وعبّا ودبعال وأطراف بباتوليه ودير قانون رأس العين. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي استهدف بلدتي البياضة وبنت جبيل، إلى جانب غارات على برج قلاويه والخيام، ما يعكس تنسيقاً بين الضربات الجوية والمدفعية. ويعزز هذا النمط من العمليات فرضية اعتماد استراتيجية الضغط الشامل لإرباك الجبهة اللبنانية واستنزاف قدراتها.
خسائر الاحتلال في لبنان
في المقابل، أعلن جيش الاحتلال مقتل جندي خلال المعارك جنوب لبنان، وهو الخامس منذ استئناف الحرب في 2 مارس، إضافة إلى إصابة ثلاثة جنود آخرين. وأوضح أن الجندي البالغ من العمر 22 عاماً يتبع للكتيبة 890 في لواء المظليين، وقد سقط أثناء القتال، في إشارة إلى احتدام المواجهات البرية. ويكشف ذلك عن انتقال الاشتباك من الضربات الجوية إلى مواجهات ميدانية أكثر تعقيداً وخطورة.
تعكس هذه الخسائر طبيعة الصراع القائم، حيث لم يعد محصوراً في ضربات عن بعد، بل أصبح يتضمن احتكاكاً مباشراً يرفع كلفة المواجهة على الطرفين. فكل خسارة بشرية تمثل عاملاً ضاغطاً داخلياً، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، ما قد يؤثر على مسار العمليات. كما أن الإعلان عن الخسائر، رغم محدوديته، يشير إلى صعوبة إخفاء تداعيات المواجهة المتصاعدة.
وفي ظل القيود الإسرائيلية على نشر تفاصيل الخسائر، تبرز فجوة واضحة بين الروايات الرسمية والمعطيات الميدانية. وتشير تقديرات لبنانية إلى استشهاد أكثر من 1100 شخص وإصابة آلاف منذ بداية التصعيد، ما يعكس حجم الكلفة البشرية المرتفعة. ويعزز هذا التباين حالة الغموض، التي قد تُستخدم كأداة في إدارة الحرب الإعلامية والنفسية.

رد حزب الله
بالتوازي مع القصف الإسرائيلي، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع وقواعد عسكرية إسرائيلية في الشمال. وشملت هذه الهجمات قاعدتي “عين شيمر” و”رغفيم”، إضافة إلى مواقع في صفد ومحيطها، وتجمعات للجنود في موقع المالكية. ويشير ذلك إلى قدرة الحزب على توسيع نطاق الرد واستهداف عمق عسكري حساس.
كما أعلن الحزب استهداف قوة مدرعة إسرائيلية خلال محاولتها سحب آلية متضررة في بلدة دير سريان، في خطوة تعكس متابعة ميدانية دقيقة لتحركات جيش الاحتلال. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شمل أيضاً مهاجمة مروحية إسرائيلية بصاروخ دفاع جوي في أجواء بلدة العديسة الحدودية. ويؤكد هذا التطور امتلاك الحزب أدوات متنوعة للتعامل مع التهديدات الجوية والبرية.
يعكس هذا التصعيد المتبادل توازن ردع هش، حيث يسعى كل طرف إلى فرض معادلات جديدة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. إلا أن اتساع نطاق العمليات وتنوع الأهداف يزيد من احتمالات الخطأ في الحسابات، ما قد يدفع نحو تصعيد أكبر. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الجبهة الجنوبية مفتوحة على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاحتواء والتفجر الواسع.
تحول في قواعد الاشتباك
يحمل هذا التصعيد دلالات استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ يعكس تحولاً في قواعد الاشتباك بين الطرفين. فاستهداف العمق وتوسيع بنك الأهداف يشيران إلى محاولة إعادة رسم خطوط الردع، بما يخدم حسابات كل طرف في المرحلة المقبلة. كما أن تكثيف العمليات يهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة يصعب التراجع عنها.
ويعكس استمرار القصف على لبنان وتبادل الضربات حالة من الاستنزاف المتبادل، التي قد تطول دون حسم واضح. فكل طرف يسعى إلى إضعاف الآخر تدريجياً، دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تكون مكلفة للغاية. ويؤدي هذا النمط إلى إطالة أمد الصراع، مع ما يحمله من تداعيات إنسانية واقتصادية متزايدة.
في المحصلة، يشير المشهد إلى أن المنطقة تقف على حافة تصعيد أكبر، في ظل تداخل العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية. ومع غياب مؤشرات واضحة على التهدئة، يبقى احتمال الانفجار قائماً في أي لحظة. ويجعل ذلك من التطورات الحالية مؤشراً خطيراً على مسار مفتوح نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.








