20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الاستيطان يتمدد بصمت: كيف تُنتزع أراضي الضفة الغربية قطعةً قطعة؟

تشهد أراضي الضفة الغربية في السنوات الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة الاستيطان، حيث يعمل الاحتلال الإسرائيلي على فرض وقائع ميدانية جديدة عبر التوسع المستمر في بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

بقلم: سماح عثمان
٣١ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
الضفة

الضفة

تشهد أراضي الضفة الغربية في السنوات الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة الاستيطان، حيث يعمل الاحتلال الإسرائيلي على فرض وقائع ميدانية جديدة عبر التوسع المستمر في بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية. ولا يقتصر هذا التمدد على البناء فقط، بل يشمل السيطرة التدريجية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، بما يغيّر شكل الجغرافيا السياسية ويقوّض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

وبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، فإن وتيرة المصادقة على مشاريع استيطانية جديدة ارتفعت بشكل ملحوظ منذ عام 2023، في ظل دعم سياسي واضح من الحكومة الإسرائيلية، ما يعكس توجّهًا استراتيجيًا يهدف إلى تثبيت السيطرة طويلة الأمد على الأرض، وليس مجرد إجراءات مؤقتة مرتبطة بالوضع الأمني.

أدوات السيطرة

يعتمد الاحتلال على مجموعة معقدة من الأدوات للسيطرة على أراضي الضفة، تبدأ بإعلان مناطق واسعة كـ"أراضي دولة"، وهي تسمية قانونية يستخدمها الاحتلال لمصادرة الأراضي الفلسطينية، مرورًا بإصدار أوامر عسكرية تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وصولًا إلى استخدام القوانين الاستعمارية القديمة لتبرير الاستيلاء.

كما تلعب البؤر الاستيطانية دورًا محوريًا في هذه العملية، حيث يتم إنشاؤها بشكل غير رسمي في البداية، ثم تتحول تدريجيًا إلى مستوطنات معترف بها ومدعومة بالبنية التحتية والحماية العسكرية. وتُستخدم هذه البؤر كنقاط انطلاق للتوسع، إذ تحيط بها لاحقًا طرق التفافية ومناطق عازلة تمنع الفلسطينيين من استغلال أراضيهم.

عنف المستوطنين في الضفة

يترافق التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية مع تصاعد ملحوظ في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، والتي تشمل حرق الممتلكات، والاعتداء الجسدي، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، خاصة خلال مواسم الحصاد. وغالبًا ما تتم هذه الاعتداءات تحت حماية قوات الاحتلال أو بتواطؤ واضح، وفق ما وثقته تقارير حقوقية عديدة.

وبحسب منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش، فإن هذه الاعتداءات ليست حوادث فردية، بل تأتي ضمن نمط منهجي يهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم قسرًا، ما يفتح المجال أمام توسيع المستوطنات دون مقاومة تُذكر على الأرض.

تشريعات وقوانين

يستند المشروع الاستيطاني إلى منظومة قانونية معقدة تعمل على شرعنة الاستيلاء على أراضي الضفة، سواء عبر قوانين يصدرها الكنيست الإسرائيلي أو من خلال أوامر عسكرية تُفرض على الفلسطينيين في الضفة. وتُستخدم هذه القوانين لتقييد البناء الفلسطيني، ورفض إصدار تصاريح، ثم هدم المنازل بحجة البناء غير المرخص.

وفي المقابل، يتم تسهيل إجراءات البناء للمستوطنين بشكل كبير، بما في ذلك تقديم الدعم المالي والبنية التحتية، وهو ما يعكس ازدواجية قانونية واضحة تميز بين الفلسطينيين والمستوطنين على أساس الهوية، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يعتبر الاستيطان غير شرعي.

خريطة ممزقة

أدى هذا التوسع إلى تحويل الضفة الغربية إلى مناطق متقطعة ومعزولة، حيث تنتشر المستوطنات والطرق العسكرية التي تقطع أوصال المدن والقرى الفلسطينية. وتُفرض قيود مشددة على حركة الفلسطينيين عبر الحواجز العسكرية، ما يجعل التنقل بين المناطق أمرًا معقدًا ومكلفًا زمنيًا واقتصاديًا.

ويرى خبراء أن هذا الواقع يندرج ضمن سياسة "الأمر الواقع"، التي تهدف إلى خلق وضع جغرافي لا يمكن تغييره بسهولة في أي مفاوضات مستقبلية، ما يمنح الاحتلال أفضلية استراتيجية على الأرض، ويجعل أي حل سياسي أكثر تعقيدًا.

دور المجتمع الدولي

رغم الإدانات المتكررة من المجتمع الدولي، بما في ذلك بيانات صادرة عن مجلس الأمن الدولي، إلا أن هذه المواقف لم تُترجم إلى إجراءات عملية توقف التوسع الاستيطاني. وغالبًا ما تبقى هذه الإدانات في إطار التصريحات السياسية دون فرض عقوبات أو ضغوط حقيقية.

في هذا السياق، يبرز الدور الأمريكي كعامل حاسم، حيث وفّرت أمريكا دعمًا سياسيًا وعسكريًا مستمرًا للاحتلال، خاصة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وهو ما ساهم في تعزيز شعور الاحتلال بالإفلات من المساءلة، والاستمرار في سياساته التوسعية دون رادع فعلي.

واقع يتغير

في ظل هذه المعطيات، تتغير ملامح الضفة الغربية بشكل متسارع، حيث تتقلص المساحات المتاحة للفلسطينيين، وتتزايد الضغوط عليهم في مختلف جوانب الحياة، من السكن إلى الزراعة والتنقل. ويبدو أن الاستيطان لم يعد مجرد مشروع توسعي، بل أصبح أداة مركزية لإعادة تشكيل الواقع السياسي والديموغرافي في المنطقة.

وتشير هذه التطورات إلى أن ما يجري على الأرض ليس مجرد نزاع على حدود، بل صراع على الوجود ذاته، في ظل استمرار السياسات التي تسعى إلى فرض واقع جديد بالقوة، وسط صمت دولي وعجز واضح عن وقف هذا التمدد المتواصل.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الاستيطان يتمدد بصمت: كيف تُنتزع أراضي الضفة الغربية قطعةً قطعة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°