شهدت مدينة إسطنبول التركية، اليوم السبت، اختتام الفعالية المركزية الكبرى لحملة "الأقصى يستغيث"، والتي جاءت كذروة لحراك دولي متواصل ومنظم يهدف إلى تسليط الضوء على المخاطر الوجودية التي تتهدد المسجد الأقصى المبارك.
وقد شارك في هذه الفعالية حشد غفير من ممثلي المؤسسات والمنظمات والهيئات العلمائية والسياسية من مختلف أرجاء العالمين العربي والإسلامي، حيث اجتمع المشاركون على قلب رجل واحد للتأكيد على أن المسجد الأقصى يمر حالياً بمنعطف تاريخي خطير يتطلب تضافر كافة الجهود الشعبية والرسمية.
وفي ختام هذه التظاهرة الدولية، شدد الحاضرون على ضرورة انتقال التضامن مع القدس من مجرد مربعات التنديد والاستنكار اللفظي إلى مرحلة الفعل الحقيقي والخطوات العملية المؤثرة التي يمكن أن تشكل رادعاً حقيقياً أمام تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة التي تستهدف طمس المعالم الإسلامية وتغيير الواقع التاريخي والقانوني في المدينة المقدسة.
تحذيرات من مأزق عميق يواجه القدس
وخلال جلسات الفعالية، حذر المتحدثون والمشاركون من أن مدينة القدس المحتلة بصفة عامة، والمسجد الأقصى بصفة خاصة، يمران بمرحلة وصفوها بـ "المأزق العميق والشامل".
حيث أشاروا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسابق الزمن لفرض وقائع تهويدية جديدة مستغلاً الانشغال الدولي بالأزمات العالمية المختلفة، واعتبر المشاركون أن ما يجري حالياً في باحات المسجد الأقصى يمثل تصعيداً خطيراً وغير مسبوق يستدعي تحركاً عاجلاً وفورياً على كافة المستويات.
ومع ذلك، فقد أجمع الحضور على أن صمود الشعب الفلسطيني الأسطوري، ولا سيما المرابطين والمقدسيين الذين يشكلون السد المنيع في وجه محاولات الاقتحام والتقسيم الزماني والمكاني، هو العامل الأساسي الذي أسهم في الحفاظ على هوية المدينة العربية والإسلامية رغم كل التحديات والضغوطات الميدانية والسياسية التي تمارس عليهم يومياً، مما يفرض على الأمة واجب دعم هذا الصمود بكل الوسائل المتاحة لضمان استمراريته في وجه آلة البطش العسكرية.
المسؤولية السياسية والقانونية للحكومات
وفي سياق متصل، وجه البيان الختامي للفعالية نداءً حاراً ومطالبة صريحة للحكومات العربية والإسلامية بضرورة تحمل مسؤولياتها السياسية والقانونية والتاريخية تجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
حيث أكد البيان أن قضية المسجد الأقصى لا ينبغي أن تُختزل في كونها شأناً فلسطينياً داخلياً فحسب، بل هي قضية الأمة الإسلامية بأسرها وعقيدتها الراسخة.
وطالب المشاركون الحكومات بتكثيف الجهود الدبلوماسية في المحافل الدولية واستخدام أوراق الضغط السياسية والاقتصادية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية الصارخة.
كما شددوا على أهمية تفعيل المسارات القانونية لملاحقة مرتكبي الجرائم بحق المقدسات في المحاكم الدولية، معتبرين أن التقاعس عن نصرة الأقصى في هذه الظروف الدقيقة يمثل ضوءاً أخضر للاحتلال لمواصلة مخططاته التدميرية التي تهدف في نهاية المطاف إلى بناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.
تعزيز الوعي العالمي وتوحيد الحراك الدولي
كما ركزت حملة "الأقصى يستغيث" في بيانها الختامي على أهمية استمرار الحراك الشعبي وتوحيد الجهود الإعلامية والثقافية بما يسهم في تعزيز حضور قضية المسجد الأقصى في الوعي العام العالمي، وليس فقط الإسلامي.
وأشار البيان إلى ضرورة استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة لنقل حقيقة ما يجري في القدس إلى الرأي العام الدولي، وفضح زيف الرواية الصهيونية التي تحاول تبرير الاعتداءات على المصلين وتدنيس المقدسات.
ودعا المؤتمر إلى بناء تحالفات دولية مع المنظمات الحقوقية وأحرار العالم للضغط على مراكز صنع القرار العالمي، مؤكداً أن حماية المسجد الأقصى تتطلب نفساً طويلاً وعملاً مؤسسياً منظماً يتجاوز ردات الفعل الآنية، ويهدف إلى بناء استراتيجية صمود متكاملة تدعم الإنسان المقدسي وتوفر له مقومات الثبات في أرضه لمواجهة سياسات التهجير والتهويد.
إن اختتام فعالية إسطنبول لا يعني انتهاء المهمة، بل هو بداية لمرحلة جديدة من العمل الدؤوب وفق ما اتُّفق عليه من توصيات عملية، حيث أعلن المنظمون عن تشكيل لجان متابعة مشتركة بين الهيئات المشاركة لضمان تنفيذ مخرجات البيان الختامي، والبدء في تنظيم فعاليات مماثلة في عواصم عالمية أخرى لإبقاء شعلة الاهتمام بالأقصى متقدة.
إن التحديات الكبيرة التي فرضتها حرب الإبادة الجماعية والعدوان المستمر على غزة والقدس تفرض على القوى الحية في الأمة أن تكون على مستوى الحدث، ومن هنا جاءت فعالية "الأقصى يستغيث" لتجدد العهد مع المسجد المبارك وتؤكد أن الأمة حية ولن تتخلى عن مقدساتها مهما بلغت التضحيات، والرسالة اليوم من إسطنبول واضحة: الأقصى ليس وحيداً، وصمود المقدسيين هو صمود للأمة جمعاء، وأي مساس بالمسجد هو مساس بالأمن والسلم الإقليمي والدولي، مما يضع الجميع أمام اختبار حقيقي للدفاع عن القيم الإنسانية والحقوق الدينية المشروعة في وجه غطرسة القوة والاحتلال.







