أعلن قصر الإليزيه اليوم الثلاثاء، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجري اتصالا مرئيا مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بهدف التأسيس لتحرك منسق بشأن تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بين القاصرين.
يأتي هذا التحرك بعد أن أقر البرلمان الفرنسي مؤخراً مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عاماً، في خطوة تُعد الأكثر صرامة في أوروبا وتسير على خطى أستراليا التي سبقتها في هذا المجال.
وأضاف الإليزيه أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيث وممثلين عن إيطاليا وهولندا وأيرلندا سيشاركون في الاتصال الجماعي المقرر يوم الخميس، مع إمكانية انضمام آخرين، على أن تُعلن القائمة النهائية للمشاركين لاحقاً. وقال أحد مساعدي الرئيس الفرنسي للصحفيين إن "الهدف الرئيسي هو تنسيق العمل ودفع المفوضية الأوروبية، بالمعنى الإيجابي للكلمة، للمضي قدماً بنفس وتيرة الدول الأعضاء"، في محاولة لتوحيد الجهود الأوروبية حول هذا الملف الحساس.
تقييد وسائل التواصل للقاصرين.. مخاوف أمنية أم رقابة سياسية؟
يأتي هذا التحرك الفرنسي في سياق حملة مستمرة يقودها ماكرون منذ أشهر، حيث يرى في وسائل التواصل الاجتماعي عاملاً رئيسياً في انتشار العنف بين الشباب، وتأثيراً سلبياً على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين. وقد أشار الرئيس الفرنسي مراراً إلى أن هذه المنصات تُسهم في "توليد جيل قلق"، داعياً إلى حماية الأطفال من التنمر الإلكتروني والمحتوى الضار والإدمان الرقمي. غير أن منتقدين يرون في هذه الإجراءات محاولة لتعزيز الرقابة على المحتوى، خاصة في ظل التوترات السياسية والانتخابات المقبلة، حيث تُستخدم المنصات لنشر آراء معارضة للسياسات الحكومية.
بحسب تقارير من رويترز وبلومبرغ، يسعى ماكرون إلى فرض آليات تحقق من العمر صارمة على المنصات مثل تيك توك وإنستغرام وفيسبوك، مع إلزام الشركات بمنع القاصرين دون 15 عاماً من إنشاء حسابات أو الوصول إليها. هذا النهج يهدف إلى تنسيق أوروبي موحد تحت مظلة قانون الخدمات الرقمية (DSA)، لكن بعض الدول الأعضاء قد تُبدي تحفظات حول الحرية التعبيرية والصعوبات التقنية في تنفيذ مثل هذه القيود.
السياق الأوروبي.. بين حماية الطفولة والمخاوف من السيطرة
يُعد هذا الاتصال الجماعي امتداداً لجهود ماكرون في دفع أوروبا نحو سياسات رقمية أكثر صرامة، خاصة مع تزايد القلق من تأثير وسائل التواصل على الانتخابات والاستقرار الاجتماعي.
فرنسا ليست الوحيدة؛ إذ تدرس دول مثل بريطانيا والدنمارك وإسبانيا إجراءات مشابهة، لكن التنسيق على مستوى الاتحاد يهدف إلى تجنب تناقضات تُضعف فعالية القوانين الوطنية.
ومع ذلك، يثير هذا التحرك تساؤلات حول توازن الحريات: هل يُحمى الأطفال فعلاً من مخاطر حقيقية مثل الاستغلال والمحتوى المتطرف، أم أن الهدف يتجاوز ذلك إلى فرض رقابة أوسع على الرأي العام تحت ذريعة "الحماية"؟ في زمن يشهد فيه العالم تصاعداً في التوترات السياسية والاجتماعية، قد تُستخدم مثل هذه الإجراءات للحد من انتشار المعلومات غير المرغوب فيها من وجهة نظر الحكومات.
يظل المشهد الأوروبي يتجه نحو مزيد من التنظيم الرقمي، حيث يرى ماكرون أن الاتحاد يجب أن يتقدم بخطى متسارعة لمواجهة تحديات العصر الرقمي. غير أن النجاح في تنفيذ مثل هذه السياسات سيعتمد على التوازن بين حماية الجيل الجديد وبين الحفاظ على مبادئ الحرية التي يقوم عليها المشروع الأوروبي نفسه.




