شهدت أسواق الصرف العالمية والمحلية في مطلع عام 2026 تحولاً دراماتيكياً وضع العملة الإسرائيلية "الشيكل" في صدارة المشهد المالي، حيث نجح الشيكل في فرض قوته بشكل غير مسبوق أمام الدولار الأمريكي، ليصل سعر الصرف إلى مستوى 3.00 شيكل للدولار الواحد.
ويأتي هذا التطور النوعي بعد أن فقد الدولار الأمريكي نحو 22% من قيمته أمام الشيكل منذ بدء الحرب والعدوان على قطاع غزة، حيث هبط من أعلى مستوياته المسجلة عند 4.08 شيكل وصولاً إلى الاستقرار الحالي عند حاجز الثلاثة شيكلات.
وبحسب تحليل المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، فإن هذا التحول الكبير يعكس بوضوح انتقال السوق من مرحلة "الخوف والتحوط" التي سادت خلال فترات التوتر الأمني والعسكري، إلى مرحلة "الثقة الاقتصادية" المعتمدة على تدفق الاستثمارات الضخمة، مما يجعل الشيكل يغرد وحيداً بعيداً عن تقلبات العملات الكبرى في المنطقة.
هدوء عالمي مشوب بالحذر وتأثير المفاوضات الدولية على العملات
على الصعيد العالمي، تبدو الصورة هادئة نسبياً في أسواق المال الدولية، حيث استقر مؤشر الدولار الأمريكي عند مستوى 98.1 نقطة، بينما يتداول اليورو عند 1.18 دولار والجنيه الإسترليني فوق مستوى 1.35 دولار.
ومع ذلك، يؤكد المحلل أحمد أبو قمر أن خلف هذا الهدوء تكمن عوامل سياسية وجيوسياسية حاسمة، أبرزها تفاؤل الأسواق الدولية بإمكانية عودة المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى مسارها الصحيح.
هذا التفاؤل أدى إلى ضغوط بيع واضحة على الدولار الأمريكي مؤخراً، حيث يميل المستثمرون عالمياً إلى التوجه نحو العملات المحلية القوية والأصول ذات العوائد المرتفعة مع تراجع حدة التوترات الدولية، وهو ما انعكس إيجاباً على قوة الشيكل الذي استفاد من هذه الأجواء ليحقق مكاسب ميدانية في سوق الصرف على حساب العملة الخضراء التي بدأت تفقد بريقها كملأذ آمن وحيد.
ركائز قوة الشيكل: قفزة الاستثمارات الأجنبية وسياسة بنك إسرائيل
تتعدد الركائز التي دعمت صمود وقوة الشيكل في مواجهة الدولار خلال عام 2025 وبداية 2026، ولعل أبرزها الارتفاع القياسي في حجم الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت إلى الداخل، والتي وصلت إلى 39 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بنحو 25 مليار دولار فقط في عام 2024.
هذا التدفق الضخم للأموال يعكس رغبة المؤسسات الدولية في اقتناص الفرص الاستثمارية رغم الظروف السياسية المعقدة. يضاف إلى ذلك، قيام المؤسسات المالية الكبرى بعمليات بيع مكثفة للعملات الأجنبية مقابل الشيكل، في ظل سياسة نقدية حذرة من بنك إسرائيل، الذي آثر الامتناع عن التدخل المباشر في سوق الصرف إلا في حالات استثنائية جداً.
هذه الاستراتيجية تركت آليات السوق (العرض والطلب) تتحكم في السعر، مما عزز من مكانة الشيكل كعملة صعبة ومطلوبة عالمياً ومحلياً في ظل غياب المضاربات الحكومية.
التضخم والملف الإيراني: العوامل المحددة لمسار الصرف القادم
يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الاتجاه الحالي يميل بشكل واضح لصالح الشيكل، لكن استمرار هذا الصعود التاريخي يظل رهيناً بعاملين جوهريين؛ الأول هو التطورات السياسية المتعلقة بالملف الإيراني ومدى نجاح المساعي الدبلوماسية في تثبيت الاستقرار الإقليمي، والثاني هو بيانات التضخم المرتقبة وتأثيرها المباشر على توقعات أسعار الفائدة التي ستصدر مساء اليوم.
إن أي مؤشر على استقرار أو انخفاض التضخم قد يعزز من قوة الشيكل أكثر، بينما قد تؤدي أي مفاجآت سلبية في البيانات إلى إرباك حسابات المستثمرين.
إن الأسواق تترقب بشغف هذه البيانات لتحديد البوصلة القادمة، حيث أن الاستقرار السياسي الممزوج بتدفق الاستثمارات قد يدفع الدولار الأمريكي للاقتراب من مستويات أقل من 3.00 شيكل، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً للمصدرين الذين يعتمدون على قوة الدولار لرفع هوامش أرباحهم.
سيناريوهات المستقبل: ما بين الهبوط المستمر ومخاطر التصعيد العسكري
يضع الخبراء الاقتصاديون سيناريوهين لمستقبل زوج "الدولار/شيكل" في ظل المعطيات الراهنة لعام 2026؛ السيناريو الأول يفترض استمرار الهدوء السياسي وتدفق رؤوس الأموال، مما سيجعل الشيكل يواصل فرض سيطرته النقدية ويدفع الدولار الأمريكي لمزيد من التراجع، وهو ما يصب في مصلحة خفض تكاليف الاستيراد وتقليل ضغوط الأسعار على المستهلكين المحليين.
أما السيناريو الثاني، فيفترض حدوث أي تصعيد عسكري مفاجئ أو تعثر في الملفات الإقليمية، وهو ما قد يؤدي فوراً إلى توقف هبوط الدولار وبدء رحلة استعادة جزء من عافيته نتيجة عودة حالة "النفور من المخاطرة" لدى المستثمرين الأجانب.
وبين هذا وذاك، تظل الأنظار شاخصة نحو قرارات البنك المركزي وبيانات المساء، ليتحدد معها المسار النهائي للعملة الإسرائيلية التي أثبتت قدرة عالية على المناورة في أصعب الظروف السياسية والاقتصادية.








