20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هلال نصار يروي لـ 180 تحقيقات: في "سدي تيمان" كنا نداوي جروحنا بمعجون الأسنان (حوار)

في ظل التحولات الدامية التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، لم تعد السجون الإسرائيلية مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة لسياسات القمع

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
١٦ أبريل ٢٠٢٦
16 دقائق قراءة
42 مشاهدة
هلال نصار

هلال نصار

في ظل التحولات الدامية التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، لم تعد السجون الإسرائيلية مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة لسياسات القمع الممنهج وكسر الإرادة الإنسانية بحق الأسرى الفلسطينيين، وسط تصاعد غير مسبوق في الإجراءات العقابية والانتهاكات اليومية. وبين جدران العزل والانتهاك، تتشكل روايات موجعة تختزل حجم المعاناة التي يعيشها آلاف الأسرى، في واقعٍ يزداد قسوة وتعقيدًا مع كل يوم.

في هذا السياق، يأتي هذا الحوار الخاص مع المحلل السياسي الفلسطيني هلال نصار، الذي يضعنا أمام قراء لتفاصيل الحياة داخل السجون، كاشفًا عن أبعاد إنسانية وسياسية خفية، وشهادات تنبض بالألم والصمود، ترسم صورة أكثر وضوحًا لما يجري خلف القضبان، وتعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مصير الأسرى في ظل هذا التصعيد المتواصل.

وإليكم نص الحوار: 


بداية السجون بعد السابع من أكتوبر تشرين الأول لعام 2023، انقلبت رأساً على عقب واختلف حال الأسرى الفلسطينيين وتفاقمت معاناتهم اليومية بحال لم يكن له مثيل منذ سنوات طوال، حيث قامت مصلحة السجون الإسرائيلية بتفكيك الحركة الوطنية الأسيرة وهو جسم فلسطيني له حق المشاركة في الكثير من الأنشطة المتعددة المسموح بها داخل السجون وإعلان التعبئة الداخلية للمجتمع الصهيوني ومن يحمل الجنسية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة عقب الساعات الأولى من عملية طوفان الأقصى، ببث رسائل الحقد والكراهية وحملات التشويه والتحريض والحث على الانتقام من الكل الفلسطيني، ووصفوا أهل غزة بأنهم وحوش بشرية لا يستحقون الحياة، ثم نقلت القيادات الفلسطينية للعزل الانفرادي وسلب حقوقهم الإنسانية وإعلان مجموعة من العقوبات الجماعية الممنهجة ضد الأسرى بتوصية من وزارة الأمن القومي الإسرائيلي والمستوي السياسي والأمني الحكومي.

كيف تصف تفاصيل يومك الكامل داخل السجن منذ الاستيقاظ حتى النوم؟


الإجابة عن سؤال بحجم دورة حياة الأسير الواقعية داخل السجون الإسرائيلية والمعتقلات العسكرية ومراكز التحقيق والتعذيب؛ لا يكفي نقلها بحوار بقدر تجربتها على مدار واحد وعشرون شهراً، كل ساعة بحجم يوم واليوم بمقدار سنةٍ، قياس الزمن بوضع الأسرى وأحوال معاناتهم وعذاباتهم وويلاتهم، هل يستطيع القارئ أو المشاهد أو المتابع عند إطلاعه على هذا الحوار أن يقتنع بما يدور مع الأسرى في السجون؟! أعتقد أنني سأجيب بلا، وقد يصفها البعض بأنها رواية خيالية بعيدة عن واقع المعاناة، وربما قد نقل عدد من الأسرى روايات حقيقية ومشاهد حية لأسرى رويت بالدماء قبل الدموع وافقت القلوب وضاقت الصدور، أبدأ متوكلاً على الله العظيم؛ نصحو في تمام الساعة الخامسة أو السادسة صباحاً على صوت صراخ وصياح وضجيج الجنود والمجندات (السجانين) وتنام في تمام الساعة العاشرة مساءً وتبقي طيلة اليوم جالساً بوضعية القرفصاء تحتضن ركبتيك على صدرك ورأسك موازياً بإتجاه الجندي السجان وتنتظر دورك لقضاء حاجتك وهو عذاب جديد يشترك في السجان الذي يمنع تحركك من مكانك والشاويش الذي ينظم ويختار حركة الوصول لفك أزمة قضاء حاجتك لمرة واحدة في اليوم وبوقت قصير لا يستغرق أكثر من ثلاثة دقائق مشروط أن يبقى الباب مفتوحاً، وإن لم تلتزم تدخل عليك وحدة القمع مع الكلاب وتُمنع بعد ذلك، لذلك يستغل الأسير ذهابه ووصوله لترتيب أموره بقضاء حاجته وتغسيل وجهه وإتمام الوضوء بوقت لا يتجاوز الدقائق الثلاثة، ثم تعود أدراجك في مكانك المحدد لك دون الحديث مع أي أسير آخر في المعتقل العسكري، وبشأن الصلاة كان الأسرى ينوون التيمم ويؤدون صلاتهم خفية وهم جالسين وأحياناً يؤدونها بعيونهم من الخوف والقهر وسياسة المنع من تأدية الصلوات والعبادات إضافة إلى تأدية الصلاة بعكس القبلة أي باتجاه بوابة المعتقل سواء كانت بأي اتجاه في ظل عربدة وجبروت السجان، وتبقى طيلة وقتك على مدار لحظات يومك مداوماً على الدعا والأذكار والاستغفار والتسبيح القلبي دون الهمس وفي هذه العبادة كنا نعاقب لمجرد تحريك الشفاه.

 

كيف يؤثر نقص المياه أو سوء الطعام على الصحة العامة للأسرى؟


هذا الأمر هو حالة واقعية طبيعية وسياسة مقصودة ألا تشبع وألا ترتوي وألا تموت، وأن تعيش بحالة من الضعف الجسدي والمرض النفسي فالاسير يعيش على سعرات حرارية مدروسة من خلال وجبات الطعام المقدمة يوميا ناهيك عن طبيعة آلية توزيع الطعام وكيف يكون وضع طهيه فهو ليس طعاما بل حجارة فالبقوليات قاسية وليست مطهية كأنها موضوعة في مياه مغلية فقط، وخبز الليخم يصل وعليه بقع عفن بكتيرية، وهنا الأمر لم يقتصر على الطعام والشراب، فهناك حقوق مطلوبة وواجبة على السجان أن يوفرها كالدواء للمرضى المزمنيين والكسوة والأغطية من البرد القارس نحن في السجن كنا لا نملك سوى غياراً واحدا من الملابس الشاباص وهو زي السجن ذات اللون البني الداكن، كذلك سحب الفراش طيلة وقت الاستيقاظ منذ ساعات الفجر الأولى أو مع بزوغ النهار وزقزقة العصافير وحتى غروب الشمس بقصد عدم الراحة والاسترخاء أو الاعتياد بحياة طبيعية أو روتينية اعتيادية بل يريد ألاسرى في حالة إنهاك صحي بين جوع وبرد وألم ومرض.

هل تختلف ظروف الاحتجاز بين سجن وآخر؟ وكيف؟


من المؤكد نعم، مصلحة السجون الإسرائيلية تجمعها قانون موحد وسياسة واحدة، ولكن لكل سجن سياسة خاصة تعود لطبيعة إدارة السجن وتختلف من سجن لآخر لذلك من استمع للأسرى المفرج عنهم يعلم من شهاداتهم أن هناك سجون سيئة السيط والمعاملة وهناك العكس ولكن أيضا هناك سجون فيها حقوق ممنوحة وحقوق ممنوعة أو مسلوبة أو منزوعة بشكل مؤقت أيضا كل ذلك يعود لشخصية وأقوال الأسير وتوصيات مخابرات الشاباك. ونأتي لكم بأمثلة نحن عشنا في عدة سجون على سبيل المثال:


سجن عوفر من أقذر السجون والمعاملة أسوأ مما تتصور فلا معني للإنسانية فيه هناك تسلب انسانيتك وكرامتك وتعامل معاملة الوحوش والحيوانات أكرمكم الله، اجوائه باردة جداً ولا تحتمل والاعتداء اللفظي أصعب من الجسدي والتعذيب بالغاز يومياً وسياساته صعبة ومؤلمة وقاسية وصراحة يضيق صدورنا من سماع ذكره علما بأنه سجن مخصص لأسرى الضفة ويحتوى أقساما لأسرى غزة.


سجن نفحة الصحراوي من الناحية الإدارية مقبول واهون في المعاملة مع الأسرى والطعام جيد نسبياً لكن سياسة العقاب قاسية والعبادة ممنوعة والفورة تمنع أكثر ما تمنح وتشريفة دخول نفحة تعد نفخة الموت اجوائها صيفاً وشتاءً مقبولة.


سجن النقب ويعد أهون من سجني عوفر ونفحة، فأنت في سجن لكن السياسة فيه مقبولة بكثير والمعاملة أفضل من غيره لكن طعامه سيىء واجوائه مقبولة أيضا.

ما أشكال الرقابة والسيطرة التي تمارسها إدارة السجون على الحياة اليومية؟


أود التذكير أننا في سجون ولسنا في فنادق، وكنا وما زال هناك أكثر من تسعة ألاف أسير وأسيرة فلسطينيين في السجون الإسرائيلية والمعتقلات العسكرية والزنازين الانفرادية، وبين أيدي اليهود أخبث العباد، أشكال الرقابة والسيطرة الداخلية الغرف والأقسام والسجون مرتبطة بشبكة كاميرات مراقبه يتم متابعتها من ثلاثة جهات شرطية ومخابراتية وعسكرية، وهناك جولات مكوكية للسجان وضابط العدد الشيفت وضابط أمن السجن وضباط آخرين كل ثلاثين دقيقة على مدار الساعة يدخلون بجولة متابعة تفقدية ميدانية دورية عبر أبواب الغرف في المردوان، إضافة للجولات الخارجية حول الاقسام من الخارج ومن أعلى السجن ابراج حراسة ومراقبة بكشافات ضخمة.

 

كيف يتم التعامل مع الأسرى الجدد في أيامهم الأولى داخل السجن؟


الأسير يصل السجن في حالة صعبة جدا لا يعلم من هو؟؟ ولا أين هو؟؟ ولا كيف هو؟؟ ويشك في من حوله!! من قسوة التعذيب وحفاوة التشريف والاستقبال وضيافة الضرب الشديد والتنكيل والاذلال، فالأسير يخضع للاستجواب العسكري مع ضباط محترفين ومتخصصين من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في الميدان مع بداية لحظات الاعتقال ثم يوجه للمخابرات بقصد فتح ملفٍ له حسب أقوال وادعاءات واعترافات الأسير نفسه حول ما حقق معه أو نسب إليه، لذلك يحاول الاحتلال تشتيت الأسير في اللحظات الأولى من الاعتقال بقصد عدم الاستقرار النفسي والتأكد من صحة المعلومات التي أدلى بها خلال فترة الاستجواب والتحقيق.

 

المعانـاة تلو المعانـاة والألـم نترقبه بالأمـل, حينما نبكى شوقاً لنور الله في ذلك الركن المنسي من العالم، حيث يتوقف الزمن وتتحول الأنفاس إلى عبىء، لم يكن الصمت مجرد غياب للصوت، بل كان جداراً سميكاً من العزلة، في معتقل "#سدي_تيمان"، والمقصود به #قهر_الرجال؛ كان العالم ينتهي عند حدود #العُصبة التي لُفت حول أعيننا، والكون يتقلص حولنا ليصبح بمساحة جسد مكبل بالأصفاد الحديدية التي غرزت أنيابها في معاصمنا نداوي جروحنا بمعجون الأسنان.


لم نعلم بشئ مما يدور حولنا سوى أصوات الأصفاد الحديدية وصياح السُهير (السجان) والناخشون (وحدة بوليسية لنقل الأسرى), وإذا خرجت من غرفتك لا تعلم الجهة التي ستذهب إليها وسط ضرب وتنكيل وتحقيق وتعذيب وإن عدت لغرفتك فكأنك عائد لأهلك وبيتك وقتئذ تشعر بتسلل بسيط من الطمأنينة المنزوعة، لم تكن لدينا معلومات أو اخبار فنحن نعيش في مقابر الجحيم أو جهنم الحمراء حسب ما يزعمون وصفاً لسجونهم، فما نملكه هو الدعاء والاستغفار والأذكار نحصن بها أنفسنا وغرفنا، كانت مصادرنا حينما يقابل أسيراً ضابط مخابرات أو استخبارات السجن أو زيارة محامي في قسمك، فلا يوجد بيننا إذاعات، ولا صحف، ولا كتب، ولا مصحف، ولا ملابس، ولا دفئ، ولا أمان، نعيش ونقضي لحظاتنا وسط الخوف والقلق والتوتر والهستيريا العصبية وارتخاء الأعصاب التي تنتج عن أساليب القهر والذل والهوان والضغط الشديد، كانت وسيلتنا الوحيدة لمعرفة ما يدور بـ "الخارج" هي تلك الأصوات المرعبة لمعدن #الطائرات الحربية وهي تمزق سكون السماء كنا نرقد في #غلاف_غزة، نسمع زئير الحقد وهو يصعد محملًا بنار الغارات، وما هي إلا ثوانٍ حتى ترتج الأرض تحت أجسادنا الهزيلة، لم نكن بحاجة وقتها لمذيع يخبرنا أن #غزة_تُقصف؛ فقلوبنا كانت تهتز مع كل انفجار، ودموعنا تسيل بصمت تسأل: أما زال هناك من نُحِبُه على قيد الحياة؟ أهناك بشر,, أو شجر,, أو حجر,, أماذا تبقى في غزة لِيُقصف!! فمن يحمل لنا خبراً عن (أمُنا) كناية عن غـزة, وأحبتنا (أهلنا وشعبنا) غيرك يا الله. كان الظلم هناك يتجاوز القيد؛ فقد أرادوا انتزاع الروح من أجسادنا، كان #ذكرالله واستحضار عظمته تعالى هو ملاذنا الوحيد، لكن حتى هذا كان "جريمة" في عُرف السجن والسجان، وتوحيد العظيم أصبح جُرم نُعاقب عليه، سجانٌ يخشى تحريك الشفاه وإن كان لهم محاسبتنا؛ فإنهم سيحاسبوننا على النفس الذي نسحبه شهيقا وزفيرا .. عجباً على جبروتهم وطغيانهم.. فقد مُنعنا من تأدية الصلاة وحُرمنا من الوضوء والشرب فهل تتوقع أن تتوفر المصاحف بيننا!!، ومُنعنا من الجهر بالدعاء، وحتى تحريك الشفاه بالاستغفار كان يُقابل بالعقاب والتنكيل، مرت علينا أيام وشهور على هذا الحال ولا حول لنا في المحال، إلا أننا كنا نقتات على تذكار بقايا آياتٍ نحفظها في صدورنا، نتلوها سراً كأننا نهرب النور إلى زنازين الظلام.


في لحظةٍ ما؛ أراد فيها السجان ممارسة نوع جديد من "المنِّ السادي"، سُمح بدخول المصحف الشريف والقرآن الكريم إلى (البركسات) معتقلات عسكرية خاضعة لجيش الاحتلال وليست تابعة لمصلحة السجون، لم تكن دموعنا حينها تسيل ضعفاً، بل كانت فيضاً من أرواحٍ كادت أن تجف، فارتوت بذكرالله، لكن قبضة السجان ظلت حاضرة بمرارتها؛ تلك اللحظة التي انهمر فيها النور الإلهي وفجأة، حدث ما لم يكن في الحسبان. لكم أن تتخيلوا #مصحف واحد فقط لـ مائة وعشرون نفساً تتوق للارتماء في حضن آية واحدة، كان علينا أن ننتظر الأيام الطوال، نعد الساعات والدقائق، فقط لنظفر بتلك اللحظة المقدسة: أن نلمس المصحف، نقرأ ونتلو آية واحدة.. آه على آية واحدة فقط، إنه انتصار الروح على الجلاد ورغم ضيق الوقت وقسوة الحرمان، وتزاحم الأجساد المتعبة على نسخة وحيدة، كانت تلك الآية كافية لترميم ما انكسر فينا، في تلك اللحظات، تلاشى السجان، واختفت جدران "سدي تيمان"، وشعرنا بـ معية الله تحيط بنا بكينا جميعاً، لا حزناً على القيد، بل فرحاً لأن الله لن يخيبنا ولم يتركنا وحدنا في غيابات الجب، لقد أرادوا لنا الجحيم، فجعلنا من ذكره جِنانًا، وأرادوا لنا الذل، فجعلنا من شوقنا لكتابه عزةً لا تكسرها قيود الأرض.

ما أبرز التحديات المرتبطة بالاكتظاظ داخل الزنازين؟


هذا الأمر فيه محن وابتلاءات، كانت لدينا عبادة الصبر ليست على السجن والسجان فقط بل أيضا مع من يعيش معك داخل زنزانتك أو غرفتك؛ من الطبيعي أن الاحتلال ومخابراته كانوا بشكل مقصود زج عدد كبير من الأسرى في غرفة واحدة ضيقة مثال الغرفة تتسع لأربعة أسرى فقط كان يسكنها أكثر من خمسة عشر أسيراً فنحن في عوفر الغرفة تتسع عشرة أسرى كان يضعوا فيها أكثر من ثلاثة وعشرين أسيراً أما في نفحة الغرفة تتسع لخمسة أسرى يسكنها عشرة أسرى في الغرفة الواحدة بهدف دمج الحالة المجتمعية الواقعية من مختلف أطباع وعادات شعبنا حتى يضغط الحالة النفسية والمعنوية والمزاجية للأسرى ويعلم ويطلع على طبيعة تكيف الأسرى مع هذا الواقع الصعب فمثلاً الزنزانة تضم العديد من المهن والحرف الوظيفية كالطبيب والمهندس والمعلم والطالب والسائق والسباك والسارق وضابط الشرطة والموظف والعامل والعالم والجاهل والكبير والصغير والصحيح والمريض والمسن والمراهق وإلخ..، فالاكتظاظ أمر واقع وسياسة قذرة ومقصودة لزرع الخلافات الداخلية بين الأسرى، ولكن بتوفيق من المولى الكريم أن السحر انقلب على ساحره، والشباب أفشلوا مخطط مخابرات الشاباك فتكاثف الشباب مع بعضهم ورأينا مواقفاً طيبة داخل السجون ترسخ عادات وقيم شعبنا ونسيجه المجتمعي ووعيه الفكري.


أسرى غزة لا وصف لهم بعد السابع من أكتوبر، هؤلاء الرجال هممهم كالجبال منهم مهما تحدثنا عن تحمل ما رأوه في المعتقلات العسكرية والسجون الإسرائيلية لن نستطيع اعطائهم حقهم أو وصفهم بالوصف السليم؛ فلنبدأ حديث الرواية من معتقل الجحيم #سدي تيمان وهو معتقل غوانتانامو اسرائيلي لاستقبال أسرى غزة فيه ذاق شباب غزة العذابات والويلات وآلام ذلك المعتقل لا تمحى ولن تنسى من الذاكرة، ذلك الكابوس الذي ضحى وقدم فيه شباب غزة أرواحهم الطاهرة ودماؤهم الشريفة في أصعب ظروف محطة السجن، توضع في معصم يدك أسوارة بلاستيكية تحمل فيها رقما تسلسلياً ينادى عليك بذلك الرقم غالباً وأحياناً باسمك، تستيقظ على أصوات وصياح الجنود و المجندات الساعة الخامسة فجراً حتى الساعة العاشرة ليلاً مقيداً ومكبلاً بالكلابشات الحديدية في الأيدي والأقدام ومغمى العيون على مدار الوقت تجلس على الأرض بوضعيتين لا ثالث لهما إما جلسة القرفصاء تحتضن قدميك وأما جلسة التشهد على ركبتيك وكلاهما لا تحتمل أن تجلسهما لعدة دقائق كانوا شباب غزة يقضون قرابة أكثر من 15ساعة متواصلة يومياً هذا هو حال جلوسك فقط، حق الأسير ممنوع! فلا حق لك حتى في سحب النفس، الذهاب الى الشورتيم لقضاء الحاجة ممنوع أولا ثم تحجز دور وقد يكون أمامك العشرات بل المئات من الشباب وكبار السن وذوي المرض المزمن والجرحى المبتورين ومن قضاء حوائجهم معاناة دفع ثمنها بالذل والقهر حتى ننتظر دورك قد تكون أعصابك هتكت وتبولت على نفسك في ثيابك وهذا أمر ليس معيب بل مقصود من إدارة المعتقل وتعذيب جيش الاحتلال لشباب غزة.. أنتظر لحظة لم ينتهي الأمر ولم يقف المنع من المحتل فقط، بل أيضا ما سُمي (بالشاويش) كان ينفذ أجندة وتعليمات الاحتلال ويواصل منع الأسرى من التبول وقضاء حوائجهم وقد يصلك الدور وقت العصر او بعد ذلك أحياناً ويسرق وجبات الشباب الأسري ويقلصها إضافة لتقليص الاحتلال حتى يأكل ويشبع الشاويش لتعويض الجهد والتعب الذي يمارسه في عمله اليومي كشاويش مطيع لجنود الاحتلال .. بهذا لم تستطع تصديق الرواية لكنه واقع المعاناة في معتقل سدي تيمان، تعالوا نتحدث عن وجبات الطعام بالتأكيد تأتي 3 وجبات يوميا لا تسد رمق جوع الأسرى الوجبة الواحدة مقننة ومقلصة وتكاد الوجبات الثلاث لا تسد مكان جوع الوجبة الواحدة وهي عبارة عن صلال قطع ليخم اي خبز توست ونصف معلقة مربى هذه هي الوجبة الواحدة للأسير علما هذا بعد السابع من أكتوبر فقط! لنكمل أن كان نصيبك استدعاء للتحقيق في غرف المخابرات الشاباك أو استخبارات الجيش أو النقل حسب تصنيفك ومدى خطورة ملفك
 

في ختام هذا الحوار، تتكشف أمامنا صورة قاسية لواقعٍ يتجاوز حدود المعاناة الإنسانية إلى محاولات ممنهجة لكسر الروح وإلغاء الكرامة، إلا أن ما يرويه هلال نصار يعكس في المقابل وجهًا آخر أكثر رسوخًا؛ وجه الصمود والإيمان العميق بعدالة القضية. فداخل تلك الزنازين، ورغم كل أشكال القهر، لا تزال إرادة الأسرى حيّة، تتغذى على الأمل وتستمد قوتها من إيمان لا ينكسر.

تبقى قضية الأسرى الفلسطينيين شاهدًا حيًا على واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الضمير الإنساني، وامتحانًا حقيقيًا لمدى التزام العالم بقيم العدالة والحرية. وبين الألم والأمل، تستمر الحكاية… حكاية إنسان يُقاوم ليبقى إنسانًا.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هلال نصار يروي لـ 180 تحقيقات: في "سدي تيمان" كنا نداوي جروحنا بمعجون الأسنان (حوار) - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°