في محاولة جديدة للهروب من الأزمات الداخلية المتلاحقة ولفرض واقع سياسي وعسكري جديد، أطل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بخطاب مليء بالغطرسة السياسية، مدعياً وجود فرصة تاريخية لإبرام اتفاق سلام مع لبنان تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يحاول تسويق ما يسميه "تغيير ميزان القوى" كإنجاز عسكري مطلق بعد العمليات الأخيرة، متجاهلاً أن الحروب لا تُحسم فقط بتدمير المخازن أو الاغتيالات السياسية، بل بقدرة الخصم على الاستمرار في الاستنزاف.
إن حديث نتنياهو عن تلقيه دعوات من لبنان لإجراء محادثات مباشرة يهدف بالأساس إلى إظهار الدولة اللبنانية في موقف الضعيف والمنكسر، وهي سردية يحتاجها نتنياهو بشدة لتعزيز صورته أمام جمهوره اليميني الذي يطالبه بتحقيق نصر حاسم لا يزال بعيد المنال على أرض الواقع الميداني المتفجر.
المنطقة الأمنية: إعادة تدوير للاحتلال الفاشل
لقد كشف نتنياهو بوضوح عن نواياه الحقيقية تجاه جنوب لبنان، حيث أعلن صراحة رفضه للانسحاب الشامل إلى الحدود الدولية، متمسكاً بما وصفها بـ "منطقة أمنية معززة" تمتد بعمق عشرة كيلومترات من البحر وصولاً إلى جبل دوف ومداخل جبل الشيخ.
إن هذا الإصرار على البقاء العسكري يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية وللقرارات الدولية، ويعيد الأذهان إلى تجربة الاحتلال المريرة التي انتهت بالانسحاب القسري عام 2000.
ويحاول نتنياهو تسويق هذه المنطقة بأنها أكثر تماسكاً وصلابة من سابقاتها، مدعياً أنها ستحمي المستوطنات من التسلل والصواريخ المضادة للدروع، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن تحويل جنوب لبنان إلى "حزام أمني" سيجعل من جنود الاحتلال أهدافاً سهلة ومنتظمة لعمليات المقاومة، مما يحول "الحل الأمني" المزعوم إلى نزيف بشري وعسكري مستمر لا يمكن للاحتلال تحمله لفترات طويلة.
شروط تعجيزية وخداع في مفاوضات السلام
عند النظر في المطلبين الأساسيين اللذين وضعهما نتنياهو للاتفاق، وهما نزاع سلاح حزب الله وإرساء "سلام قائم على القوة"، نجد أننا أمام وصفة لتفجير أي جهد ديبلوماسي قبل أن يبدأ. فنزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاحتلال واحتجاز الأراضي هو مطلب غير واقعي يهدف نتنياهو من خلاله إلى إحراج الدولة اللبنانية ووضعها في مواجهة مباشرة مع بيئتها الداخلية.
كما أن رفضه لصيغة "هدوء مقابل هدوء" وإصراره على البقاء في الأرض اللبنانية يؤكد أن مفهوم "الوقف المؤقت لإطلاق النار" الذي وافق عليه لمدة عشرة أيام ليس سوى مناورة تكتيكية لإعادة تموضع القوات والتقاط الأنفاس، وليس رغبة حقيقية في إنهاء الصراع.
إن نتنياهو يريد "سلاماً" يضمن له السيطرة المطلقة والتدخل العسكري المتكرر، وهو ما يرفضه أي منطق سيادي، مما يجعل من محادثات واشنطن المرتقبة مجرد منصة لإلقاء اللوم على الطرف الآخر عند فشل التوصل لاتفاق.
الرهان على ترامب وتصعيد المواجهة مع إيران
يمثل التحالف المتجدد بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الركيزة الأساسية التي يستند إليها رئيس حكومة الاحتلال في تصعيد نبرته التهديدية تجاه المنطقة.
فبالحديث عن حصار بحري وتفكيك القدرات النووية الإيرانية "مرة واحدة وللأبد"، يحاول نتنياهو جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة وشاملة مع طهران، متوهماً أن الضغوط القصوى يمكن أن تنهي تهديد التخصيب والصواريخ البالستية.
إن هذا الرهان على تغيير جذري في الوضع الأمني والسياسي خلال السنوات المقبلة يعكس رغبة نتنياهو في إشعال حرائق إقليمية كبرى لضمان بقائه في السلطة وتجنب المحاسبة القانونية والسياسية.
ومع ذلك، فإن تجارب الماضي تثبت أن الرهانات على "إزالة التهديدات نهائياً" عبر القوة العسكرية وحدها غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تزداد المنطقة اشتعالاً وتتعقد الأزمات بشكل يصعب السيطرة عليه، مما يجعل "نجاح" نتنياهو الموعود مجرد سراب سياسي جديد.







