قال الدكتور صلاح عبدالعاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، إن قانون إعدام الأسرى ليس مجرد نص تشريعي، بل مؤشر على انتقال الصراع إلى مرحلة "تقنين القتل" واختبار حقيقي لفاعلية القانون الدولي.
وأوضح "عبدالعاطي"، في حوار مع "180 تحقيقات"، أن أخطر ما في ها القانون هو تحويل العقوبة إلى قرار سياسي مغلف بقشرة قانونية، ما يلغي جوهر مبدأ الشرعية الجنائية.
وأشار إلى أن أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، شهدت بعد 7 أكتوبر تحولا كبيرا، ليس فقط في الشدة، بل في طبيعة النظام الاعتقالي نفسه، من احتجاز إداري إلى نظام اعتقال شبه دائم بلا سقف قانوني.
بعد إقرار قانون إعدام الأسرى.. القانون يستهدف الفلسطينيين تحديدًا دون غيرهم، هل يمكن اعتباره نموذجًا مكتملًا للفصل العنصري قانونيًا؟
من الناحية القانونية الدولية، يمكن القول إن هذا القانون لا يُفهم بوصفه تشريعًا منفصلًا، بل كحلقة داخل بنية أوسع من السيطرة القانونية غير المتساوية. عندما يُطبَّق نظام عقابي أقصى (الإعدام) بصورة:
- تستهدف فئة قومية واحدة حصريًا
- داخل منظومة قضائية عسكرية غير محايدة
- وبالتوازي مع الاعتقال الإداري والتعذيب والإخفاء القسري
فإننا نكون أمام أحد أهم مؤشرات نظام الأبارتهايد وفق اتفاقية 1973 ونظام روما: أي “التمييز المؤسسي المنهجي بهدف الهيمنة والسيطرة”.
لكن التوصيف القانوني لا يكتمل من النص وحده، بل من النمط التراكمي للسلوك والسياسات. وعليه، فإن القانون ليس مجرد “تشديد عقوبة”، بل جزء من هندسة قانونية للهيمنة وإعادة إنتاج التفوق القانوني لفئة على أخرى.
ما أخطر ما في هذا القانون: سرعة التنفيذ، غياب الطعن، أم طبيعته السياسية؟
الخطر الحقيقي ليس عنصرًا منفصلًا، بل اجتماع ثلاثة مستويات:
- غياب فعالية الطعن: يعني انهيار ضمانات العدالة وتحويل الحكم إلى نتيجة شبه محسومة.
- سرعة التنفيذ: تحول الإعدام إلى إجراء إداري سريع يمنع التدخل القضائي أو الدولي.
- التسييس البنيوي للعقوبة: وهو الأخطر، لأنه ينقل القانون من إطار العدالة إلى أداة ردع وانتقام.
إن الأخطر هو تحويل العقوبة إلى قرار سياسي مغلف بقشرة قانونية، ما يلغي جوهر مبدأ الشرعية الجنائية.
ما الذي يجب أن يحدث الآن لمنع تحول هذا القانون إلى واقع تنفيذي؟ ومن المسؤول عن التقاعس؟
المطلوب ليس تحركًا واحدًا بل منظومة ضغط متزامنة. فمن الناحية القانونية المطلوب هو التالي:
- تفعيل الولاية القضائية العالمية في دول ثالثة.
- تحريك عاجل أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتباره جريمة حرب محتملة.
- طلب تدابير تحفظية عاجلة من محكمة العدل الدولية.
أما من الناحية الدولية، فالأمر يستدعي:
- جلسة طارئة في مجلس حقوق الإنسان.
- تفعيل آلية “متحدون من أجل السلام” في الجمعية العامة.
- فرض نقاش حول التزامات الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف.
وفيما يخص الجانب الحقوقي، فالمطلوب هو:
- لجان تحقيق دولية مستقلة.
- ضمان دخول اللجنة الدولية للصليب الأحمر دون قيود.
وبخصوص المسؤولية عن التقاعس، فإن المسؤولية هنا تقع على عاتق كل من الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف التي لم تفعل التزاماتها (المادة المشتركة الأولى)، والأمم المتحدة كمؤسسة فشلت في فرض حماية فعلية، والمجتمع الدولي الذي اكتفى بالإدانة دون أدوات تنفيذ.
ما الذي تغيّر في أوضاع الأسرى منذ أكتوبر 2023 مقارنة بما قبلها؟
التحول بعد هذا التاريخ ليس فقط في الشدة، بل في طبيعة النظام الاعتقالي نفسه، من احتجاز إداري إلى نظام اعتقال شبه دائم بلا سقف قانوني.
كما تضمن التحول صورة أخرى عديدة، منها التحول من الإهمال الطبي إلى سياسة موت بطيء ممنهج، ومن الانتهاكات الفردية إلى نمط مؤسسي واسع النطاق، ومن الرقابة الدولية المحدودة إلى شبه انهيار للرقابة، ومن السجن إلى “فضاء عقابي مغلق” يعيد إنتاج العنف داخله.
بعبارة أدق: تحولت السجون من “أداة احتجاز” إلى منظومة عقاب جماعي بنيوي.
كيف تقيّم حق الأسرى في المحاكمة العادلة؟ وهل هو حق قائم فعليًا أم منتهك بالكامل؟
قانونيًا، الحق في المحاكمة العادلة غير قائم بصورة جوهرية، بل هو حق مُفرغ من مضمونه. ذلك لأن القضاء العسكري غير مستقل، والاعترافات المنتزعة تحت الإكراه تُستخدم كأدلة.
كما أن نسب الإدانة شبه مطلقة، والدفاع مقيد وغير متكافئ. إن البيئة القضائية تعمل بمنطق أمني لا قضائي.
بالتالي، ما يُسمى “محاكمة” هو في الواقع إجراء تثبيت لنتيجة مسبقة وليس عملية قضائية عادلة.
كيف يؤثر منع الزيارات والتواصل مع المحامين على حقوق الأسرى؟
هذا الإجراء لا يمس حقًا ثانويًا، بل جوهر منظومة العدالة، لأنه ييؤدي إلى تقويض حق الدفاع الفعّال، ومنع التوثيق القانوني للانتهاكات، وتعطيل الرقابة المهنية للمحامين، وخلق بيئة مغلقة تسمح بالإفلات من المساءلة.
قانونيًا، هذا يرتقي إلى انتهاك مباشر لاتفاقيات جنيف، ويعد قرينة قوية على التعذيب وسوء المعاملة.
كما يعني تفكيك منظومة الحماية القانونية داخل الاحتجاز.
هل هناك ازدواجية معايير واضحة في التعامل مع قضية الأسرى؟
نعم، وبصورة بنيوية واضحة:
- في التطبيق: معايير صارمة على أطراف، وتراخٍ مع أخرى.
- في المحاسبة: انتقائية في تفعيل العدالة الدولية.
- في الخطاب: إعادة توصيف الانتهاكات حسب الفاعل (أمني/سياسي/إرهابي).
هذه الازدواجية ليست خللًا عرضيًا، بل أحد أسباب استمرار الانتهاك وإعادة إنتاجه دون تكلفة دولية حقيقية.
ما هي أبرز وجوه القصور الفلسطيني وانعكاساته؟
إلى جانب السياق الدولي، لا يمكن تجاهل العامل الفلسطيني الداخلي بوصفه عنصرًا مؤثرًا في ضعف مواجهة هذا المسار.
فهناك أولا، قصور في استخدام الأدوات القانونية الدولية، يتمثل في غياب تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية بشكل منهجي عبر القضاء الفلسطيني، وضعف بناء ملفات قانونية متكاملة أمام المحاكم الدولية، وبطء في إحالة الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية وفق مسار “الوضع” وليس الحالات الجزئية.
ثانيا، ضعف التدويل القانوني المنهجي بعدم تحويل ملف الأسرى إلى قضية دولية دائمة الضغط، وغياب استراتيجية تراكمية في الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، وضعف الاستثمار في الآليات الاستشارية والرأي القانوني الدولي.
الوجه الثالث يتعلق بالانقسام السياسي وأثره، حيث تفكك القرار السياسي الفلسطيني أضعف وحدة الخطاب القانوني، وتشتت الموقف الرسمي انعكس على ضعف التأثير في المحافل الدولية، وغياب استراتيجية موحدة قلل من القدرة على فرض أجندة قانونية موحدة.
كل ذلك انعكس ذلك على الحراك الشعبي والدولي، فقد تراجع التنسيق بين الرسمي والشعبي، كما ادى إلى ضعف تحويل الانتهاكات إلى حملات ضغط دولية مستمرة، وغياب “القيادة القانونية الموحدة” للملف.
ويمكن القول إن قانون إعدام الأسرى ليس مجرد نص تشريعي، بل مؤشر على انتقال الصراع إلى مرحلة “تقنين القتل" واختبار حقيقي لفاعلية القانون الدولي. لكن أخطر ما يحيط به ليس فقط بنيته الداخلية، بل ضعف أدوات التفعيل الدولية وازدواجية المعايير والقصور في توظيف الأدوات القانونية الفلسطينية والانقسام الذي أضعف قوة التأثير التراكمي.
وبالتالي، فإن المعركة ليست على قانون واحد، بل على: من يملك تعريف العدالة، ومن يملك القدرة على فرضها، ومن يُسمح له أن يُحاسب؟






