20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الأسير المحرر عماد الإفرنجي: كنت في قبر للأحياء.. وعيون طفلي كانت سلاحي في مواجهة السجن

قال الصحفي الفلسطيني والأسير المحرر، د. عماد الإفرنجي، إن الاحتلال لم يستطع ولا يستطيع كسر إرادته وعزيمته، بل على العكس خرج من تجربة الأسر المريرة أكثر عزيمة وقوة وإصرار ويقين بالنصر، رغم كل سودوية المشهد.

بقلم: عبدالرحمن كمال
١٧ أبريل ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
28 مشاهدة
الأسير المحرر من سجون الاحتلال د. عماد الإفرنجي

الأسير المحرر من سجون الاحتلال د. عماد الإفرنجي

قال الصحفي الفلسطيني والأسير المحرر، د.عماد الإفرنجي، إن الاحتلال لم يستطع ولا يستطيع كسر إرادته وعزيمته، بل على العكس خرج من تجربة الأسر المريرة أكثر عزيمة وقوة وإصرار ويقين بالنصر، رغم كل سودوية المشهد.

وكشف "الإفرنجي"، في حوار مع "180 تحقيقات"، أن التعامل مع الصحفيين كان أكثر قسوة، وكان هناك تركيز كبير على الجانب المعلوماتي، خاصة العلاقة مع المقاومة وكيفية الحصول على المعلومات والصور. مضيفا: "كانوا يتعاملون بحذر شديد، ويمارسون الكثير من المكر في محاولة انتزاع اي معلومة. في نفس الوقت كانوا يدركون ان الصحفيين سيخرجون وينقلون ما جرى".

وحول أصعب المشاهد التي لا تزال راسخة في ذهنه خلال تجربة الأسر المريرة، أوضح أن نظرات طفله الأصغر هادي هي أكثر صورة لم تغادر ذاكرته، خاصة تلك النظرة التي شعر وكأنها تودعه لفترة طويلة. وأضاف: "عندما رأيته لاحقا لم يتعرف علي بسهولة، وكانت نظراته مليئة بالدهشة والصمت، وكأنه يريد ان يقول شيئا لكنه عاجز. هذه الصورة بقيت ترافقني طوال فترة السجن ولم تفارقني".

وأكد الأسير المحرر، الذي اعتُقل في 18 مارس 2024 من داخل مجمع الشفاء أثناء ممارسته عمله الصحفي، أن تجربة السجن أضافت بعدا جديدا إلى شخصيته، حيث أدرك أن ما كتبه سابقا عن الأسرى لم يكن كافيا لوصف حجم المعاناة. وشدد على أن الواقع كان أقسى بكثير مما يمكن تخيله، خاصة في هذه المرحلة التي شهدت تصعيدا غير مسبوق. لذلك أصبح من الضروري بذل جهد أكبر لنقل حقيقة ما يجري.

كيف تصف حالتك النفسية بعد التحرر من سجون الاحتلال؟

الاحتلال لم يستطيع ولا نستطيع كسر ارادتنا وعزيمتنا، بل على العكس خرجت من فضل الله اكثر عزيمة وقوة واصرار ويقين بالنصر، رغم كل سودوية المشهد. هذا اليقين نابع من ايماننا بأن الله لن يضيعنا ولن يتركنا، رغم كل التضحيات الهائلة من دماء وارواح واشلاء ودمار شامل طال البيوت والمساجد والمستشفيات والمدارس في غزة. كل هذا الخراب لم يهز ثقتنا بوعد الله ولا بثبات شعبنا.

هذا اليقين يتعزز ايضا بثمود شعبنا الفلسطيني، وبالإيمان العميق بوعد الآخرة، وهو ما يجعلنا اكثر تمسكا بحقنا رغم كل ما جرى. الاحتلال حاول بكل الوسائل كسر هذه الروح، لكنه لم يدرك طبيعة هذا الشعب ولا جذور ايمانه. لذلك يمكن القول إن ما جرى زادنا صلابة ولم يضعفنا.

ما أبرز أساليب التعذيب التي تعرضتم لها داخل السجون؟

هم حاولوا بالتعذيب الجسدي والتعذيب النفسي ومنع العلاج والادوية، اضافة الى التنقل المستمر بين الاقسام لخلق حالة من عدم الاستقرار. كما استخدموا سلاح الجوع بشكل قذر ضد الاسرى، خاصة الشباب، اضافة الى العزل الانفرادي والحرمان من المعلومات ومن لقاء المحامي، حيث لم يقابلني محامٍ إلا بعد سنة وشهرين. كل ذلك كان جزءا من محاولة التجريد من انسانيتنا والتنكيل المستمر.

في التعذيب الجسدي كان هناك مستوى شديد جدا من العنف، شمل الضرب المبرح والاهانات والتهديد بقتل العائلة. بعض الاسرى تعرضوا لكسور في الاسنان والجمجمة والاضلاع، وهناك من تم قلع اظافرهم، واخرون تعرضوا لصعق بالكهرباء وحرق بالسجائر والضغط على الخصيتين والحرمان من النوم والشبح لفترات طويلة. انا شخصيا دخلت السجن بوزن يزيد عن 100 كيلو وخرجت بوزن 66 كيلو، وهو مؤشر واضح على حجم المعاناة.

كيف كان التعذيب النفسي داخل السجون؟

التعذيب النفسي كان قاسيا جدا، حيث كانوا يخبروننا بقتل عائلاتنا بشكل متكرر، ويقولون اليوم قتلنا اباك وامك وغدا سنقتل زوجتك واطفالك. كما كان الحرمان من معرفة اي معلومة عن العائلة شكلا من اشكال التعذيب، اضافة الى منع لقاء المحامين والعقوبات المستمرة لأسباب بسيطة. العزل الانفرادي كان ايضا اداة اساسية في هذا التعذيب، حيث كنا نُعزل لفترات تمتد من ايام الى اسابيع.

خلال العزل كنت اسمع صراخ الاسرى من حولي، وهو ما يزيد من حدة الضغط النفسي. كل هذه المحاولات كانت تهدف لكسرنا، لكن الاحتلال لا يعرف طبيعة الانسان الفلسطيني ولا عمق ايمانه. لا يعرف العناد الغزاوي ولا قوة تمسكنا بقضيتنا، ولذلك فشل في تحقيق هدفه.

 ماذا عن تجربة التحقيق؟ وعلى ماذا كانت تتركز الأسئلة؟

موضوع التحقيق تضمن ثلاث جولات مع المخابرات وجولة مع الاستخبارات العسكرية، وكل جولة امتدت لساعات طويلة. التحقيقات توزعت بين سجن سيديمان والنقب، وشملت جلسات مشتركة بين الاجهزة المختلفة. كانت الاسئلة تتركز بشكل اساسي على عملي الاعلامي، اين اعمل ومع من، وما طبيعة ما اكتب، وحتى تفاصيل الراتب.

ركزوا بشكل كبير على مقابلاتي الصحفية، خاصة تلك التي اجريتها مع قيادات فلسطينية، واعتبروا ذلك تحريضا ودعما لما يسمونه الارهاب. انا اكدت لهم ان هذا جزء طبيعي من العمل الصحفي، حيث اجريت مقابلات مع مختلف الفصائل، من حماس وفتح والجهاد والشعبية والديمقراطية وغيرها. هذا التنوع هو جوهر العمل المهني، لكنهم كانوا يحاولون تجريمه.

ما أكثر المشاهد أو اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرتك خلال الأسر؟

بصراحة لم تغادر ذاكرتي صورة عيون طفلي الأصغر هادي، خاصة تلك النظرة التي شعرت وكأنها تودعني لفترة طويلة. عندما رأيته لاحقا لم يتعرف علي بسهولة، وكانت نظراته مليئة بالدهشة والصمت، وكأنه يريد ان يقول شيئا لكنه عاجز. هذه الصورة بقيت ترافقني طوال فترة السجن ولم تفارقني.

كما لم تغب عني صورة عائلتي بالكامل، امي وزوجتي واطفالي، وكذلك معاناة اهل غزة الذين تحملوا ما لا تتحمله الجبال. لم تغب ايضا صورة المسجد الاقصى والخوف عليه في ظل ما يجري، وكان ذلك حاضرا في دعائنا وصلواتنا داخل السجن. في لحظات الخلوة كانت الدموع تنزل تعبيرا عن الإنسانية والحنين، وليس ضعفا.

كيف كنتم تتعاملون مع العزلة وغياب المعلومات؟

كنا معزولين تماما عن العالم، ممنوع علينا معرفة اي شيء، وحتى عندما نسأل لا نحصل على اجابات. بعض المحامين كانوا يخشون نقل الأخبار بسبب التهديدات، لذلك كانت المعلومات شحيحة جدا، وغالبا ما تكون مسربة بشكل مقصود للتأثير علينا نفسيا. كنا نحاول جمع المعلومات من الاسرى الجدد الذين يتم اعتقالهم لاحقا.

الشعور بالعجز كان من أصعب ما مررنا به، اذ كنا غير قادرين على مساعدة عائلاتنا او حتى معرفة اخبارهم. هذا الشعور كان أشد قسوة من الألم الجسدي نفسه. لم يكن امامنا سوى اللجوء الى الله والقرآن الكريم، وكان ذلك مصدر السكينة الوحيد لنا.

كيف تقيّم أهداف الاحتلال من الاعتقال واستهداف الصحفيين؟

من اللحظة الأولى للاعتقال كان واضحا ان الامر ليس عشوائيا، بل استهداف مباشر، خاصة عندما تم التعرف علي كصحفي. الاعتقال كان جزءا من سياسة انتقام جماعي تستهدف كل ابناء الشعب الفلسطيني، وليس فقط ردا على حدث معين. الهدف الاكبر كان تهجير سكان غزة وكسر وعيهم في لحظة تاريخية صادمة.

الاحتلال سعى ايضا لاسكات الاصوات الاعلامية الحرة، وهو ما يظهر في قتل اكثر من 150 صحفيا، مقابل عدد اقل من المعتقلين. هذا يدل على ان القتل كان اداة اساسية لاسكات الحقيقة. لكن رغم ذلك، فشل في تحقيق هذا الهدف، بل زادنا اصرارا على مواصلة رسالتنا.

كيف كان تعامل الاحتلال مع الأسرى الصحفيين مقارنة بغيرهم؟

التعامل مع الصحفيين كان اكثر قسوة، وكان هناك تركيز كبير على الجانب المعلوماتي، خاصة العلاقة مع المقاومة وكيفية الحصول على المعلومات والصور. كانوا يتعاملون بحذر شديد، ويمارسون الكثير من المكر في محاولة انتزاع اي معلومة. في نفس الوقت كانوا يدركون ان الصحفيين سيخرجون وينقلون ما جرى.

المشهد العام كان صادما، حيث تم تجريد الاسرى من كل القيم الانسانية، ولم يكن هناك اي شكل من اشكال المعاملة الانسانية. كنا نشعر وكأننا في قبور للاحياء، وكأننا عدنا من الجحيم. هذه التجربة جعلتني اشعر وكأنني ولدت من جديد بعد خروجي.

كيف تنظر اليوم إلى دور الكلمة والصحافة بعد هذه التجربة؟

هم قالوا لنا بشكل واضح ان كلماتنا وصورنا اخطر عليهم من السلاح، وهذا يعكس ادراكهم لقوة الاعلام. نحن لا نملك سوى الكلمة والصورة، لكنها في هذه المعركة لا تقل تأثيرا عن اي وسيلة اخرى. لذلك كان استهداف الصحفيين بهذه الشراسة.

هذه التجربة زادت قناعتي بأهمية رسالتنا، وبأن الكلمة الحرة قادرة على احداث التغيير. خرجت اكثر ايمانا بقضيتي واكثر تمسكا بمهنتي، واكثر اصرارا على مواصلة هذا الطريق. هذه الارض تستحق الحياة، وهذه مسؤوليتنا جميعا.

كيف تعرّف نفسك اليوم بعد هذه التجربة؟

انا صحفي فلسطيني قضيت اكثر من نصف حياتي في هذه المهنة، وقدمت ما استطعت من اجل رسالتي. اؤمن باهمية الكلمة والحرية الصحفية وتأثير الصورة في مواجهة الاحتلال. تنوع عملي بين الكتابة والتدريس والعمل الاكاديمي ساهم في بناء شخصيتي المهنية.

لكن تجربة السجن اضافت بعدا جديدا، حيث ادركت ان ما كتبناه سابقا عن الاسرى لم يكن كافيا لوصف حجم المعاناة. الواقع كان اقسى بكثير مما يمكن تخيله، خاصة في هذه المرحلة التي شهدت تصعيدا غير مسبوق. لذلك اصبح من الضروري بذل جهد اكبر لنقل حقيقة ما يجري.

في النهاية، انا اعلامي فلسطيني يتمنى الا يموت قبل ان يرى فلسطين حرة والقدس عزيزة.


 

عبدالرحمن كمال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال