في ظل أجواء سياسية مشحونة ومساعٍ دولية لإنقاذ المسار الدبلوماسي، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، اليوم الأحد، عن تفاصيل اللقاءات المكثفة التي عقدها وفدها في العاصمة المصرية القاهرة خلال الأسبوع الماضي.
وأكدت الحركة في تصريح صحفي أنها خاضت حوارات معمقة مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية بهدف استكمال تطبيق بنود المرحلة الأولى من "اتفاق شرم الشيخ" المبرم وفق مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محملة الاحتلال الصهيوني المسؤولية الكاملة عن عرقلة التنفيذ واستمرار حرب "الإبادة الجماعية" بأشكال مغلفة.
خروقات الاحتلال: غدر ميداني وتواطؤ دولي
كشفت حركة حماس أن الاحتلال لم يلتزم بتطبيق معظم التزاماته الواردة في الاتفاق، بل واصل خروقاته بشكل يومي وممنهج. وفي هذا السياق، أصدر "المكتب الإعلامي الحكومي" بغزة بياناً صادماً وثق فيه ارتكاب إسرائيل لأكثر من 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.
وتنوعت هذه الانتهاكات بين القتل العمد، والاعتقالات التعسفية، وتشديد الحصار، واستخدام "سلاح التجويع" كأداة ضغط سياسي، مما يفرغ الاتفاق من مضمونه الإنساني والقانوني.
فاتورة الدم في ظل الهدنة الهشة
وفقاً لإحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية، فإن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة منذ بدء الاتفاق أسفرت عن ارتقاء 765 شهيداً وإصابة أكثر من 2140 آخرين.
هذه الأرقام تأتي لتضاف إلى السجل المأساوي لعدوان الاحتلال الذي بدأ في أكتوبر 2023، والذي خلف حتى الآن أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح، فضلاً عن تدمير 90% من البنية التحتية للقطاع، في أكبر عملية تدمير ممنهج يشهدها العصر الحديث بدعم عسكري وسياسي أمريكي سافر.
موقف المقاومة: إيجابية في الحوار وتصلب في الحقوق
أكدت حماس أنها تعاملت بروح "إيجابية" مع الحوارات التي جرت في القاهرة، مشددة على حرصها على التنسيق المستمر مع الوسطاء لإنجاز اتفاق يضع حداً للمعاناة الإنسانية الكارثية في غزة. وأوضحت الحركة أن ثوابتها واضحة ولا تقبل المساومة، وتتمثل في الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من كافة أراضي قطاع غزة وبدء عملية الإعمار الشاملة لتعويض الدمار الذي طال مناحي الحياة وإلزام الاحتلال بتنفيذ بنود المرحلة الأولى كشرط مسبق للدخول في أي حوار جدي حول قضايا المرحلة الثانية.
مستقبل الاتفاق ورهانات القاهرة
يرى مراقبون أن زيارة وفد حماس للقاهرة تأتي كـ "محاولة أخيرة" لضبط المسار التفاوضي قبل انهياره التام، خاصة في ظل التعنت الإسرائيلي المدعوم بمواقف دولية متذبذبة.
إن إصرار المقاومة على "إلزام الاحتلال" بالتنفيذ يعكس وعياً بأساليب المماطلة الإسرائيلية التي تهدف لكسب الوقت وتغيير الوقائع على الأرض ويبقى السؤال المطروح في أروقة السياسة الدولية: هل تنجح الضغوط المصرية والقطرية، استناداً إلى مبادرة ترامب، في إجبار تل أبيب على احترام توقيعها، أم أن غزة مقبلة على جولة جديدة من المواجهة المفتوحة؟
إن دماء الشهداء الـ 765 الذين ارتقوا في ظل الهدنة المزعومة هي خير شاهد على أن الاحتلال لا يفهم سوى لغة القوة، وأن أي اتفاق لا يضمن وقف العدوان وانسحاب المحتل سيبقى مجرد "حبر على ورق" في سجل الصراع الطويل.










