قال الدكتور سعيد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع الدولي إن النقاش المرتقب داخل الاتحاد الأوروبي في ٢١ من الشهر الجاري حول مراجعة علاقاته التجارية مع إسرائيل يعد لحظة سياسية معقدة تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة أوروبا على التوفيق بين منظومة القيم التي ترفعها، ومصالحها الاستراتيجية التي تحكم سلوكها الخارجي.
وتابع أبو رحمة في تصريح خاص لـ 180 تحقيقات أن هذه المراجعة وإن بدت في ظاهرها تقنية، إلا أنها في جوهرها تعيد طرح سؤال قديم جديد: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يترجم التزامه بحقوق الإنسان إلى سياسات ملموسة عندما تتعارض مع مصالحه؟، وتقوم العلاقة بين الطرفين على اتفاقية شراكة تمنح إسرائيل امتيازات تجارية واسعة، لكنها في الوقت ذاته تتضمن بندًا صريحًا يشترط احترام حقوق الإنسان. هذه الثنائية – الامتياز مقابل الالتزام – كانت دائمًا جزءًا من الخطاب الأوروبي، لكنها نادرًا ما تحولت إلى أداة ضغط فعالة. فالاتحاد، بحكم طبيعته التوافقية، يميل إلى استخدام هذه البنود كوسائل مرنة لإدارة الخلافات، وليس كآليات صارمة للعقوبات. وهذا ما يفسر أن النقاش الحالي لا ينطلق من فراغ، بل يأتي في سياق تراكم طويل من التردد الأوروبي في تفعيل أدواته القانونية.
وأكد أبو رحمة أن السياق الراهن مختلف إلى حد كبير، فالحرب في غزة، إلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، خلقت ضغطًا متزايدًا على المؤسسات الأوروبية، ليس فقط من خلال التقارير الحقوقية أو المواقف الدولية، بل أيضًا عبر الرأي العام الأوروبي الذي أصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا في تشكيل السياسات. في العديد من العواصم الأوروبية، لم يعد هذا الملف شأنًا خارجيًا بحتًا، بل تحول إلى قضية داخلية تتقاطع مع السياسة والحزب والرأي العام، وهو ما يرفع كلفة الاستمرار في المواقف الرمادية.
وتابع أنه مع ذلك لا يمكن فهم التردد الأوروبي دون النظر إلى المصالح المتشابكة التي تربط الجانبين. فحجم التبادل التجاري الكبير، والتعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والبحث العلمي، يجعل من أي قرار بتقليص الامتيازات خطوة ذات كلفة مباشرة. بعض الدول الأوروبية ترى في العلاقة مع إسرائيل شراكة استراتيجية لا يمكن التفريط بها بسهولة، بينما تدفع دول أخرى باتجاه مقاربة أكثر صرامة من منظور حقوقي. هذا الانقسام البنيوي داخل الاتحاد هو ما يحدد سقف القرارات الممكنة، ويجعل من أي تحول جذري أمرًا صعب التحقيق في المدى القصير.
وقال إن السيناريو يبدو الأكثر ترجيحًا هو اعتماد مقاربة تدريجية وانتقائية، تسمح للاتحاد الأوروبي بإرسال رسائل سياسية دون الذهاب إلى قطيعة شاملة. قد يشمل ذلك تشديد القيود على منتجات المستوطنات، أو مراجعة بعض برامج التعاون، أو تفعيل أدوات رقابية أكثر صرامة، ومثل هذه الخطوات توفر مخرجًا وسطًا: فهي تتيح للاتحاد أن يظهر قدرًا من الالتزام بقيمه، دون أن يتحمل كلفة سياسية واقتصادية كبيرة، لكن هذا التوازن الهش بين القيم والمصالح لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فكلما تعمقت الفجوة بين الخطاب والممارسة، تآكلت مصداقية الاتحاد الأوروبي كفاعل دولي يدّعي الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان. وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة: فهي لا تتعلق فقط بالعلاقة مع إسرائيل، بل بموقع أوروبا نفسها في النظام الدولي، وقدرتها على لعب دور معياري (Normative Power) حقيقي، لا مجرد خطاب سياسي.
في المقابل يسلط الخطاب الذي يرافق هذا النقاش الضوء على دور الفاعلين غير الرسميين، من جامعات وإعلام وشبكات علاقات، في التأثير على القرار الأوروبي. وهذا البعد ليس هامشيًا، بل يعكس طبيعة صناعة القرار في أوروبا، حيث يتشكل الموقف النهائي عبر تفاعل معقد بين الحكومات والمؤسسات والمجتمع المدني. الضغط التراكمي، إذا استمر وتوسع، قد يدفع نحو تحولات تدريجية أعمق مما تبدو عليه الصورة في اللحظة الحالية.
فلا يبدو أن أوروبا تقف على أعتاب قرار حاسم بقدر ما تقف أمام مسار طويل من إعادة التقييم. الخيارات المطروحة – من تفعيل بند حقوق الإنسان إلى الاستمرار في الوضع القائم – ليست مجرد بدائل تقنية، بل تعكس رؤى مختلفة لدور الاتحاد الأوروبي في العالم. وبين هذه الرؤى، ستتشكل السياسة الفعلية، غالبًا عبر حلول وسط لا ترضي جميع الأطراف، لكنها تعكس ميزان القوى داخل الاتحاد.
وعليه فإن أهمية هذا النقاش لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في كونه مؤشرًا على اتجاه أعمق: هل ستبقى أوروبا أسيرة معادلة إدارة التناقض بين القيم والمصالح، أم أنها ستتجه تدريجيًا نحو مواءمة أكبر بينهما؟ الإجابة لن تأتي دفعة واحدة، لكنها ستتبلور عبر سلسلة من القرارات الصغيرة التي قد تعيد، بمرور الوقت، رسم ملامح الدور الأوروبي في هذا الملف.









