شهد المسجد الأقصى، اليوم الاثنين، اقتحامًا جديدًا نفّذه عشرات المستوطنين الإسرائيليين، في مشهد يتكرر بوتيرة متصاعدة تعكس طبيعة السياسات المفروضة على المدينة المقدسة.
ووفقًا لبيان صادر عن محافظة القدس، فقد اقتحم 159 مستوطنًا باحات المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة الواقع في الجدار الغربي، وذلك خلال فترة الاقتحامات الصباحية وتحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال، في دلالة واضحة على الطابع المنهجي لهذه التحركات التي تتجاوز كونها أحداثًا فردية عابرة.
ولا يمكن فصل هذه الاقتحامات عن السياق العام الذي تعيشه القدس منذ سنوات، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر تكريس الوجود الاستيطاني داخل المسجد الأقصى، أو من خلال توفير الغطاء الأمني الكامل لمثل هذه الانتهاكات، بما يعكس تداخلًا بين القرارين السياسي والعسكري في إدارة المشهد داخل المدينة.
تجريف في سلوان
في سياق متصل، امتدت اعتداءات الاحتلال إلى الأحياء الفلسطينية في القدس، حيث اقتحمت جرافات الاحتلال برفقة طواقم بلدية القدس حي البستان في بلدة سلوان، الواقعة جنوب المسجد الأقصى. وشرعت هذه الآليات في تنفيذ أعمال تجريف وإزالة ركام منازل فلسطينية كانت قد هُدمت خلال الأسابيع الماضية، في خطوة تعكس استمرار سياسة الهدم الممنهج التي تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة.
وتحمل هذه العمليات أبعادًا تتجاوز الجانب العمراني، إذ تمثل جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل البنية السكانية والجغرافية للقدس، عبر تقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين ودفعهم نحو النزوح القسري. وبحسب ما تشير إليه تقارير حقوقية متعددة، فإن هذه الإجراءات تندرج ضمن محاولات فرض واقع ديمغرافي جديد يخدم المشروع الاستيطاني، في ظل دعم سياسي أمريكي واضح يغض الطرف عن هذه الممارسات أو يبررها ضمن خطاب أمني وسياسي منحاز.
حملة اعتقالات
على صعيد الضفة الغربية، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات وتحقيق ميداني واسعة منذ مساء أمس وحتى صباح اليوم، طالت نحو 80 فلسطينيًا، بينهم أطفال وأسرى سابقون، وفقًا لبيان صادر عن نادي الأسير الفلسطيني. وتوزعت هذه الاعتقالات على عدة مناطق، بما فيها القدس، في إطار تصعيد مستمر يستهدف مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني دون استثناء.
وأشار البيان إلى أن بلدة بيت أُمّر شمال الخليل كانت من أكثر المناطق التي تركزت فيها هذه الحملة، حيث طالت عمليات الاعتقال والتحقيق الميداني أكثر من 60 مواطنًا، في مشهد يعكس حجم الضغط الأمني المفروض على هذه المناطق، والذي يتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة ليطال البنية الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني.
سياسة التحقيق الميداني
أوضح نادي الأسير الفلسطيني أن ما يُعرف بسياسة "التحقيق الميداني" باتت تمثل نهجًا ثابتًا تعتمده قوات الاحتلال خلال الاقتحامات، حيث تُجبر العائلات على مغادرة منازلها، وتُنفذ عمليات ترهيب ممنهجة تترافق مع تخريب وتدمير للممتلكات، قبل تنفيذ الاعتقال أو الاحتجاز. وتشير هذه الممارسات، بحسب البيان، إلى تحول في أدوات السيطرة، من الاعتقال التقليدي إلى أساليب أكثر اتساعًا تستهدف المجتمع ككل.
وأضاف النادي أن وتيرة الاعتقالات شهدت تصاعدًا ملحوظًا منذ بداية العام الجاري، حيث بلغت نحو ألفي حالة في الضفة الغربية، وهو ما يعكس، وفق توصيفه، سياسة "عقاب جماعي" تُمارس بشكل ممنهج ضد الفلسطينيين، في ظل غياب أي مساءلة دولية حقيقية، واستمرار الدعم الأمريكي الذي يوفر غطاءً سياسيًا لهذه الإجراءات، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب منذ 2024، التي أعادت تأكيد انحيازها الكامل للرواية الإسرائيلية.
وفي ظل هذه التطورات، يتضح أن ما يجري في القدس والضفة الغربية ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة، في وقت تتواصل فيه المجازر والانتهاكات بحق الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، وسط صمت دولي يثير تساؤلات عميقة حول جدوى النظام الدولي في حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.







