20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سياسة "التهجير الصامت": كيف يستخدم الاحتلال الهدم لتفريغ المنطقة "ج" من سكانها؟

في خطوة تعكس إصرار الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة سياسة التطهير العرقي الصامت، استيقظت بلدة ترقوميا غرب محافظة الخليل

بقلم: محمد خميس
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
35 مشاهدة
إصرار الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة سياسة التطهير العرقي الصامت

إصرار الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة سياسة التطهير العرقي الصامت

في خطوة تعكس إصرار الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة سياسة التطهير العرقي الصامت، استيقظت بلدة ترقوميا غرب محافظة الخليل، صباح اليوم الإثنين، على هدير جرافات الاحتلال وهي تقتحم منطقة "شعب البير" لتنفيذ عملية هدم وحشية استهدفت منزلاً مأهولاً بالسكان. 

هذا المنزل الذي كان يمثل الملاذ الوحيد للمواطن الفلسطيني أمير بسام الجعافرة ونجله الذي لم يمضِ على زواجه سوى وقت قصير، تحول في لحظات إلى كومة من الركام، تاركاً خلفه عشرة أفراد، أغلبهم من الأطفال، في مواجهة مباشرة مع العراء والبرد والضياع الإنساني، في مشهد يتكرر يومياً في القرى والبلدات الفلسطينية الواقعة تحت السيطرة الأمنية والإدارية الكاملة لجيش الاحتلال.

ليلة الإخلاء القسري وتدمير الذكريات

بدأت فصول المأساة عندما حاصرت قوات كبيرة من جيش الاحتلال، مدعومة بجرافات ثقيلة، منطقة "شعب البير" وفرضت طوقاً أمنياً محكماً منع المواطنين من الوصول إلى المكان أو محاولة مساندة العائلة المنكوبة.

 وأكدت مصادر محلية أن جنود الاحتلال أجبروا أفراد عائلة الجعافرة على مغادرة منزلهم المكون من طابقين تحت تهديد السلاح، ولم يمنحوهم الوقت الكافي لإخراج مقتنياتهم الشخصية أو الأثاث الذي يمثل حصاد سنوات من الكد والتعب. لم تكتفِ الجرافات بهدم الجدران، بل تعمدت سحق كل ما هو قائم لضمان عدم إمكانية إعادة الترميم، مما يبرهن على أن الهدف ليس إنفاذ قانون "البناء" المزعوم، بل هو إلحاق أكبر قدر من الأذى النفسي والمادي بالعائلة الفلسطينية لدفعها نحو الرحيل الطوعي عن أرض الآباء والأجداد.

ذريعة الترخيص.. سلاح الاحتلال الناعم والقاسي

تتذرع سلطات الاحتلال في كل عملية هدم بكون البناء قد تم دون الحصول على "تراخيص قانونية"، وهي ذريعة يصفها الفلسطينيون والمنظمات الحقوقية بالمهزلة، إذ إن الحصول على ترخيص بناء في المناطق المصنفة "ج" يعد ضرباً من المستحيل.

 ترفض الإدارة المدنية الإسرائيلية أكثر من 98% من طلبات الترخيص التي يقدمها الفلسطينيون، في مقابل تسهيلات لا محدودة تمنح للمستوطنات الإسرائيلية المجاورة التي تبتلع الأراضي وتتوسع على حساب القرى والبلدات العربية. هذا التمييز العنصري الصارخ في قوانين البناء والتنظيم يهدف بالأساس إلى حصر الوجود الفلسطيني في معازل ضيقة ومحاصرة، تمهيداً لضم المنطقة "ج" التي تشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية المحتلة إلى سيادة الاحتلال بشكل نهائي.

تقسيمات "أوسلو" وتحولها إلى أداة لقمع الوجود الفلسطيني

بموجب اتفاقية "أوسلو" الموقعة منذ تسعينيات القرن الماضي، تم تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق أمنية وإدارية، غير أن الواقع الحالي في عام 2026 يظهر أن هذه التقسيمات تحولت من ترتيبات انتقالية إلى قيود خانقة للنمو الديموغرافي الفلسطيني. 

المنطقة "ج"، التي تقع فيها بلدة ترقوميا، تخضع لسيطرة إسرائيلية مطلقة، مما جعلها الساحة الرئيسية لصراع الوجود. فبينما تُمنع عائلة الجعافرة من بناء منزل فوق أرضها الخاصة، تُشيّد آلاف الوحدات الاستيطانية على أراضٍ فلسطينية مُصادرة، في تناقض صارخ مع القانون الدولي الذي يحظر على القوة المحتلة نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو تغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي للمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

الاستهداف الممنهج لمدينة الخليل وقراها

تعد محافظة الخليل وقراها الغربية، مثل ترقوميا وإذنا، هدفاً استراتيجياً لمخططات الاحتلال الرامية إلى ربط المستوطنات القائمة ببعضها البعض وخلق تواصل جغرافي استيطاني يعزل القرى الفلسطينية عن بعضها.

 إن هدم منزل أمير الجعافرة ليس حادثاً معزولاً، بل هو جزء من سلسلة عمليات هدم طالت آبار مياه، وغرفاً زراعية، وحظائر أغنام في منطقة "شعب البير" وغيرها من المناطق الرعوية.

 يسعى الاحتلال من خلال هذه السياسة إلى تدمير البنية التحتية للحياة الريفية الفلسطينية، مما يجبر المزارعين والسكان على هجر أراضيهم والتوجه نحو مراكز المدن المكتظة (المنطقة أ)، وبذلك يتم إخلاء الأرض للمشاريع الاستيطانية والتدريبات العسكرية للجيش.

مسؤولية المجتمع الدولي وحقوق الإنسان

تجمع المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية على أن ما تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية والقدس الشرقية يرقى إلى مستوى "جريمة حرب" تتمثل في التهجير القسري وتدمير الممتلكات الخاصة دون ضرورة عسكرية.

 إن مأساة الأطفال العشرة الذين باتوا الليلة بلا سقف يحميهم هي صرخة في وجه الضمير العالمي الذي يكتفي ببيانات القلق، بينما تواصل جرافات الاحتلال تغيير الحقائق على الأرض وإن المطلوب اليوم هو تحرك قانوني دولي عبر محكمة الجنايات الدولية لمحاسبة المسؤولين عن قرارات الهدم، وتوفير حماية فعلية للفلسطينيين في المنطقة "ج" الذين يواجهون وحدهم تغول الاستيطان وآلة الحرب التي لا تفرق بين منزل عريس جديد أو مأوى لأطفال أبرياء.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال