شهدت محافظات الضفة الغربية المحتلة، منذ فجر اليوم الإثنين، موجة جديدة وممنهجة من اعتداءات المستوطنين التي استهدفت البشر والحجر والشجر، في تصعيد خطير يهدف إلى تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة "ج" وأطراف القرى والبلدات.
وتنوعت هذه الاعتداءات بين الهجمات المباشرة على المنازل المأهولة بالسكان، وتخريب البنية التحتية والممتلكات العامة، وصولاً إلى محاولات فرض واقع استيطاني جديد عبر نصب خيام في مناطق استراتيجية.
وتأتي هذه التحركات تحت غطاء أمني كامل من قوات الاحتلال التي توفر الحماية للمعتدين وتتدخل فقط لقمع الفلسطينيين في حال حاولوا الدفاع عن أنفسهم، مما يزيد من حالة التوتر والاحتقان التي تسود مدن وقرى الضفة الغربية في ظل غياب أي رادع دولي لهذه الانتهاكات الصارخة.
نابلس.. بؤرة الاستهداف والمواجهة
كانت محافظة نابلس وقراها الجنوبية والشرقية اليوم المسرح الأبرز لجرائم المستوطنين، حيث اقتحمت مجموعات متطرفة منطقة "الظهرة" على أطراف بلدة بيتا، وشرعت في الاعتداء على منازل المواطنين وممتلكاتهم الخاصة دون أي مبرر.
وفي تطور خطير، طالت الاعتداءات موظفي بلدية بيتا أثناء تأديتهم لعملهم في صيانة خط مياه حيوي بمنطقة "قماص"، حيث تعرضوا لهجوم مباشر يهدف إلى منع تقديم الخدمات الأساسية للسكان.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت التحركات الاستفزازية لتشمل محيط قبر يوسف، حيث ردد المستوطنون هتافات عنصرية تدعو لقتل العرب وطرد الفلسطينيين، وتخلل ذلك اعتداءات على الممتلكات العامة القريبة من المخيمات المجاورة، مما أثار حالة من الغضب الشعبي العارم.
حرب المياه والأرض في دوما وجالود
في قرية دوما، وتحديداً في "خربة المراجم"، سجلت المصادر المحلية اعتداءً سافراً استهدف منزل المواطن نايف موسى مسلم، حيث قام المستوطنون بإعطاب عدادات المياه الخاصة به، في إشارة واضحة لاستخدام "سلاح المياه" للتنكيل بالمواطنين.
وفي قرية جالود المجاورة، نصبت مجموعة من المستوطنين خياماً في منطقة "الظهر" الواقعة في الجهة الشرقية للقرية، وهي خطوة استباقية معروفة تهدف إلى تحويل هذه البؤر "الرعوية" إلى مستوطنات ثابتة بمرور الوقت، مما يؤدي إلى قضم مساحات واسعة من أراضي القرية وحرمان أصحابها من الوصول إليها، وهو نهج تتبعه جماعات "فتية التلال" المتطرفة لفرض السيطرة الجغرافية على التلال المطلة على القرى الفلسطينية.
إرهاب الحجارة في سلفيت وملاحقة الرعاة في مسافر يطا
انتقلت شرارة الاعتداءات إلى محافظة سلفيت، حيث اقتحم عشرات المستوطنين بلدة كفل حارس تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال، وقاموا برشق منازل الفلسطينيين بالحجارة بشكل عشوائي، مما أدى إلى تكسير نوافذ عدد من البيوت وإثارة حالة من الرعب والهلع بين الأطفال والنساء.
وفي الجنوب، وتحديداً في مسافر يطا بالخليل، واصل المستوطنون حربهم ضد الثروة الحيوانية الفلسطينية عبر مطاردة رعاة الأغنام ومنعهم من الوصول إلى المراعي الطبيعية منذ ساعات الفجر الأولى.
كما أقدموا على إغلاق طرق فرعية حيوية تؤدي إلى مدارس الأطفال والقرى الزراعية، في محاولة لتعطيل المسيرة التعليمية وضرب الاقتصاد الزراعي المحلي الذي يعتمد عليه سكان المنطقة بشكل أساسي.
لغة الأرقام: حصاد الدمار في شهر مارس
تعكس البيانات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجم الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون، حيث وثقت الهيئة تنفيذ 1819 اعتداءً خلال شهر آذار/ مارس الماضي وحده.
وتوزعت هذه الاعتداءات بين 1322 اعتداءً نفذها جيش الاحتلال بشكل مباشر، و497 اعتداءً نفذها المستوطنون، وتركزت معظم هذه الجرائم في محافظات الخليل ونابلس ورام الله والقدس.
وشملت هذه الاعتداءات اقتلاع آلاف الأشجار المعمرة، وإحراق حقول زراعية بالكامل، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بالإضافة إلى عمليات هدم واسعة طالت منازل ومنشآت زراعية وغرفاً كانت تستخدم كمأوى للمزارعين، مما يؤكد أن هناك مخططاً متكاملاً لإفراغ المنطقة "ج" من سكانها الأصليين.
المسؤولية الدولية وصمود المواطن الفلسطيني
تأتي هذه السلسلة من الهجمات في ظل تصاعد ملحوظ في الخطاب المتطرف لقادة الاحتلال، مما يعطي الضوء الأخضر للمستوطنين لتنفيذ جرائمهم دون خوف من الملاحقة القانونية. إ
ن صمود المواطنين في بلدات مثل بيتا ودومة وكفل حارس ومسافر يطا يمثل خط الدفاع الأول عن الأرض الفلسطينية، إلا أن هذا الصمود يحتاج إلى إسناد دولي وقانوني حقيقي وإن تكرار هذه الاعتداءات بشكل يومي يحول حياة الفلسطينيين إلى جحيم مستمر، ويقوض أي فرص للاستقرار في المنطقة.
ويطالب الفلسطينيون المجتمع الدولي بضرورة التدخل لتوفير حماية دولية للمدنيين ووضع حد لعربدة المستوطنين التي باتت تهدد بتفجير الأوضاع في الضفة الغربية بشكل شامل وغير مسبوق.








