أطلقت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي سلسلة من المواقف الحاسمة يوم الحادي والعشرين من أبريل، محذرة من أن لبنان بات يدفع "ثمناً باهظاً" في حرب لم تكن يوماً خياره الوطني.
وبحسب ما ورد في تقارير صحفية دولية، فإن المفوضية الأوروبية تدرك تماماً أن انزلاق بيروت إلى أتون المواجهات الدائرة بين واشنطن وطهران سيؤدي إلى انهيار كامل لما تبقى من استقرار في منطقة شرق المتوسط.
هذه النبرة الأوروبية المتخوفة تأتي في ظل ضغوط هائلة تمارسها إدارة الرئيس الحالي "ترامب" لتغيير الخرائط السياسية، وهو ما دفع بروكسل للتأكيد على استمرار دعمها للقوات المسلحة اللبنانية باعتبارها المؤسسة الوحيدة القادرة على صون ما تبقى من سيادة وطنية، بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية التي تفرضها الحرب.
على صعيد آخر، لم تخلُ تصريحات المفوضة من "ازدواجية" واضحة تعكس الانقسام العميق داخل القارة العجوز، حيث اعترفت صراحةً بفشل دول الاتحاد في التوصل إلى إجماع بشأن تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، رغم المجازر الوحشية المستمرة التي يرتكبها الاحتلال منذ أكتوبر 2023.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "الوفد"، فإن هذا الإخفاق الأوروبي في اتخاذ موقف عقابي رادع ضد تل أبيب يكشف عن مدى تغلغل المصالح المشتركة والضغوط الأميركية المباشرة التي تمنع ممارسة أي ضغط حقيقي لوقف آلة القتل الإسرائيلية. إن استمرار هذا العجز الأوروبي لا يساهم إلا في إطالة أمد المعاناة الإنسانية، ويجعل من الحديث عن "تحسين وصول المساعدات" إلى قطاع غزة مجرد مسكنات لواقع مأساوي تفرضه سياسة التجويع والتهجير القسري التي ينتهجها الاحتلال بدعم مباشر من البيت الأبيض.
مضيق هرمز
انتقلت المفوضة الأوروبية في حديثها إلى الجبهة المشتعلة في الخليج، مشددة على أن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يظل "مجاناً" وآمناً لكافة السفن الدولية، في إشارة واضحة للمخاوف من قيام طهران بإغلاق الممر الملاحي رداً على الحصار البحري الأميركي. وبحسب ما نقلته وكالات الأنباء، فإن الاتحاد الأوروبي يرى في أي تهديد للملاحة في هذا الشريان الحيوي خطراً وجودياً على أمن الطاقة العالمي، خاصة مع دخول الهدنة بين إيران وأميركا ساعاتها الأخيرة.
إن الموقف الأوروبي هنا يتقاطع بشكل كبير مع استراتيجية "ترامب" التي تسعى لتدويل الإشراف على المضيق، مما يضع طهران أمام خيارات أحلاها مر، ويؤكد أن القارة الأوروبية تضع مصالحها الاقتصادية فوق أي اعتبارات دبلوماسية أخرى عندما يتعلق الأمر بتدفقات النفط والغاز.
وفي سياق متصل، كشفت المفوضة عن رغبة بروكسل في تعميق التعاون الأمني والدفاعي مع دول الخليج لمواجهة التحديات الراهنة. ووفقاً لتقارير متابعة، فإن هذا التوجه يهدف إلى خلق جبهة موحدة تتفق مع الرؤية الأميركية في ضرورة أن تتضمن أي تسوية مستقبلية مع إيران تحجيماً لبرنامجها الصاروخي ووقف دعمها للفصائل المسلحة في المنطقة.
هذا التناغم الأوروبي-الخليجي-الأميركي يشير إلى أن المرحلة المقبلة، في حال فشل تمديد الهدنة، ستشهد تصعيداً غير مسبوق يهدف إلى عزل طهران تماماً، ليس فقط اقتصادياً عبر الحصار، بل وعسكرياً من خلال تعزيز القدرات الدفاعية للدول المطلة على الخليج تحت مظلة التكنولوجيا العسكرية الأوروبية والأمريكية.
غزة والاحتلال
تظل الرواية الإسرائيلية الزائفة هي العائق الأكبر أمام أي انفراجة حقيقية، حيث يتواطأ الموقف الأوروبي بصمته عن تعليق اتفاقيات الشراكة. وبحسب تقارير حقوقية دولية، فإن المجازر التي تشهدها غزة منذ أكتوبر 2023 تتم بأسلحة ودعم لوجستي أميركي مباشر، في وقت يكتفي فيه الاتحاد الأوروبي بإطلاق التصريحات الإنسانية دون اتخاذ إجراءات سياسية ملموسة. إن الفشل في تحقيق الإجماع ضد إسرائيل داخل بروكسل يعكس بوضوح نجاح اللوبي الصهيوني والضغط الذي تمارسه إدارة "ترامب" لضمان بقاء إسرائيل فوق القانون الدولي، مما يجعل من لبنان وفلسطين ضحايا لصراع دولي أكبر لا يلقي بالاً لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
أما فيما يخص الشأن اللبناني، فإن التأكيد على دعم الجيش يأتي في وقت حرج جداً، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي لمنع تفكك الدولة اللبنانية وسط التهديدات الإسرائيلية المتزايدة بشن عملية عسكرية واسعة على الجبهة الشمالية.
ووفقاً لتقرير صادر عن "مركز الأهرام للدراسات"، فإن الدعم الأوروبي للقوات المسلحة اللبنانية يهدف في جوهره إلى إيجاد قوة توازن تمنع انزلاق البلاد نحو حرب إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة. ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً حول مدى فعالية هذا الدعم في ظل الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية التي تجعل من لبنان ساحة مفتوحة لكافة الاحتمالات، بانتظار القرار الذي سيخرج من البيت الأبيض خلال الساعات القليلة القادمة بشأن مصير الهدنة مع إيران.







