في اليوم الذي تجددت فيه الهدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يبرز السؤال عن "ماذا تغير للمدنيين؟" يحمل إجابة نجدها في شوارع طهران وأصفهان.
ورغم الصمت النسبي لأصوات الانفجارات منذ الثامن من أبريل الجاري، إلا أن الهدنة لم تكن بالنسبة لثمانين مليون إيراني سوى انتقال من "الموت السريع" بالصواريخ إلى "الموت البطيء" بالحصار والحرمان.
ووفقاً لتقارير حديثة صادرة عن منظمة الإغاثة الدولية (ReliefWeb)، فإن أكثر من 125 ألف منشأة مدنية، بما في ذلك مستشفيات ومدارس، باتت خارج الخدمة تماماً، مما جعل حياة المدنيين جحيماً مستمراً حتى في ظل غياب القصف، وسط تقديرات تشير إلى تضرر منازل نحو 300 ألف مواطن بشكل مباشر منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي.
إن الفشل في تمديد الهدنة، والقرار الأميركي المرتقب من إدارة "ترامب"، يلقي بظلاله الثقيلة على واقع إنساني متفجر؛ حيث أدى الحصار البحري الذي بدأ في منتصف أبريل إلى توقف شبه كامل لتدفق المستلزمات الطبية والسلع الأساسية.
وبحسب تقرير لمنظمة "سيف ذا تشيلدرن" (Save the Children)، فإن أسعار الأدوية المنقذة للحياة شهدت قفزات جنونية بلغت 50% نتيجة النقص الحاد، مما يهدد حياة ستة ملايين مريض يعانون من أمراض مزمنة.
الهدنة لم تكن سوى استراحة لمحاربي واشنطن وتل أبيب، بينما ظل المواطن الإيراني عالقاً في كماشة الحصار الاقتصادي الخانق الذي يمنع حتى وصول حليب الأطفال والمواد الإغاثية، تحت ذريعة "التفتيش والرقابة" التي تفرضها البحرية الأميركية في مياه الخليج.
جحيم النزوح
لم تنجح الهدنة في إعادة ملايين النازحين إلى بيوتهم، بل تحولت مراكز الإيواء المكتظة إلى بؤر للأمراض واليأس نتيجة انهيار شبكات المياه والصرف الصحي. وبحسب تحديثات إنسانية صادرة عن الأمم المتحدة في منتصف أبريل، فإن عدد النازحين داخلياً في إيران تجاوز 3.2 مليون شخص، يعيش معظمهم في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية بعد تدمير محطات التحلية والكهرباء في مناطق حيوية مثل جزيرة قشم وطهران.
إن "الاستقرار" الذي بشرت به الهدنة كان وهماً، إذ استمرت معاناة العائلات التي تفترش الحدائق العامة والمدارس المدمرة، في وقت أدى فيه القصف الجوي السابق إلى تلوث بيئي حاد وتسرب مواد كيميائية سامة، حذر منها الهلال الأحمر الإيراني معتبراً إياها "قنبلة موقوتة" تهدد الأجيال القادمة.
وعلاوة على ذلك، فإن حالة "اللاحرب واللاسلم" الحالية زادت من الضغوط النفسية والاجتماعية على السكان، خاصة مع استمرار انقطاع الإنترنت والخدمات المصرفية التي تجعل الحياة اليومية صراعاً مريراً من أجل البقاء.
ووفقاً للمجلس النرويجي للاجئين (NRC)، فإن المدنيين في طهران ومدن أخرى يعيشون حالة من "الرعب الصامت" بانتظار انتهاء المهلة الرسمية غداً، حيث أصبحت رؤية النوافذ المغطاة باللاصق لمنع شظايا الزجاج مشهداً مألوفاً يختصر حكاية شعب ينتظر الموت في أي لحظة. هذه الهدنة لم تكن فرصة للترميم، بل كانت فترة انتظار قاسية في طوابير طويلة للحصول على الوقود والخبز الذي تضاعفت أسعاره نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار الديزل المرتبط مباشرة بالحرب وتصاعد التوترات في ممراتها الدولية.
خديعة الإغاثة
تؤكد المعطيات الميدانية أن الممرات الإنسانية التي وعدت بها واشنطن في إطار "هدنة الثمانية عشر يوماً" كانت مجرد حبر على ورق، حيث تم منع وصول شحنات طبية حيوية عبر دبي وموانئ الجوار تحت دعاوى أمنية.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن 23 هجوماً استهدف الرعاية الصحية منذ مارس الماضي أدى إلى شلل كامل في قدرة المستشفيات على استيعاب الجرحى، وهو واقع لم يتغير خلال أيام التهدئة الأربعة عشر.
إن إدارة "ترامب" التي تتبنى سياسة "الضغط الأقصى" أثبتت أن الهدف هو كسر إرادة الشعب الإيراني عبر تجويعه، مما جعل الهدنة تبدو في أعين الإيرانيين كأداة عسكرية لتعميق الحصار أكثر منها بادرة إنسانية لوقف نزيف الدماء، خاصة مع استمرار المجازر الصهيونية في غزة ولبنان بدعم أميركي مباشر.
وفي الختام، يجد المدنيون في إيران أنفسهم اليوم أمام سيناريو كارثي مع انهيار مفاوضات إسلام آباد وتأجيل زيارة "فانس"؛ حيث يعني استئناف القتال العودة إلى مربعات الموت الأولى ولكن في ظل بنية تحتية متهالكة وموارد مستنزفة.
وبحسب تقرير لـ "مركز التقدم الأمريكي"، فإن التكلفة البشرية والبيئية لهذه الحرب ستظل تلاحق المنطقة لعقود، حتى لو صمتت المدافع غداً. إن الفرق الوحيد الذي أحدثته الهدنة هو أنها منحت المدنيين وقتاً إضافياً لوداع أحبائهم وتأمين ما تيسر من ماء وغذاء قبل أن تعود "أم القنابل" لتسيد الموقف مجدداً، وسط صمت دولي مخزٍ تجاه مأساة إنسانية يكتب فصولها البيت الأبيض بدماء الأبرياء وتواطؤ الصمت الأوروبي المنقسم.




