أثارت التحرّكات الواسعة للمجموعات المتعاونة مع جيش الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة لغطاً كبيراً خلال الأيام الماضية، خصوصاً بعد الهجمات المنسّقة التي قامت بها على طول المناطق المحاذية للخط الأصفر شرق القطاع.
وبحسب تقرير نشره موقع "الميادين نت"، فقد حاولت هذه الميليشيات القيام بعمليات خطف وقتل لكوادر وناشطين من المقاومة، إلى جانب إظهار نفسها كقوة مسيطرة على جغرافيا واسعة من أراضي غزة، والتواصل مع السكّان المقيمين فيها بشكل مباشر لأول مرة، مع ما رافق ذلك من توزيع لبعض المساعدات في محاولة مكشوفة لاستمالة الحاضنة الشعبية.
ويرى مراقبون أن هذه المجموعات التي تطلّق على نفسها مسميات مثل "الجيش الشعبي" أو جهاز "مكافحة الإرهاب" ما هي إلا أدوات وظيفية يحركها الاحتلال لتنفيذ أجندات أمنية وجيوسياسية تهدف إلى تصفية الوجود التنظيمي للمقاومة، وفرض واقع إداري جديد يتساوق مع مخططات الوزير المتطرف "بتسلئيل سموتريتش" الذي لا يخفي سعيه لضم أجزاء واسعة من القطاع.
جغرافيا العدوان.. من معسكر جباليا شمالاً إلى خيام النازحين في رفح جنوباً
توزعت هجمات عملاء الاحتلال، وفقاً لمصادر "الميادين نت"، على عدّة مناطق بدأت من شمال القطاع المدمّر في معسكر جباليا وما يجاوره، وصولاً إلى مدينة غزة ومحافظتي الوسط والجنوب، ففي محافظة الشمال، اقتصرت التحركات على استعراضات "هزيلة" في مناطق خالية تماماً لتسويق صورة سيطرة وهمية، أما في مدينة غزة.
فقد كانت الهجمات أعمق وأكثر عنفاً، حيث وصلت مجموعات العملاء المدجّجين بالسلاح وبتغطية مكثفة من طائرات "الكواد كابتر" إلى محيط حي الزيتون، وعمدوا إلى قطع شارع صلاح الدين واختطاف مواطنين من بيوتهم وخيامهم واقتيادهم للتحقيق داخل الخط الأصفر، ولم تنجُ مدينة خانيونس من هذه الاعتداءات، حيث توغلت المجموعات إلى وسط المدينة بمحاذاة "دوّار أبو حميد"، لكنها واجهت هناك انتكاسة مفاجئة بعد تصدي مجموعات المقاومة لها وتكبيدها خسائر فادحة، مما اضطر طائرات الاحتلال للتدخل لقصف العربات المستهدفة ومنع المقاومة من السيطرة على الوثائق والأسلحة التي كانت بحوزة العملاء، وفي رفح، أدى إطلاق النار العشوائي للميليشيات على خيام النازحين إلى استشهاد سيدة حامل وحرق ممتلكات المواطنين.
سياقات التحرك.. إظهار انهيار المقاومة وصناعة "البديل الشرعي" الموهوم
بحسب تحليل "الميادين نت"، يمكن وضع هذه التحرّكات ضمن ثلاثة سياقات رئيسية؛ الأول يتعلّق برغبة جيش الاحتلال في إظهار فصائل المقاومة وكأنها فقدت السيطرة على زمام الأمور، ومحاولة دفع الميليشيات للوصول إلى مديات أعمق داخل القطاع لإيهام العالم بأن المقاومة قد انهارت تنظيمياً، وهو الأمر الذي فشل فشلاً ذريعاً بعد عملية خانيونس والاحتفاء الشعبي باستهداف العملاء.
أما السياق الثاني، فيرتبط بتقديم هذه المجموعات كبديل شرعي ومقبول ليحل محل الفصائل الوطنية، عبر إصدار بيانات ومقاطع مصوّرة تدعي الدفاع عن حقوق المواطنين وتخليصهم من "بطش" المقاومة.
وقد حاول الاحتلال تعزيز هذه الصورة عبر توزيع سلال غذائية ومساعدات على المواطنين المحتجزين لديه، وهو ما قوبل بسخرية ورفض واسع من سكّان القطاع الذين صمدوا أمام المجاعة القاسية ورفضوا مقايضة شرفهم ووطنيتهم بفتات المساعدات المغموسة بالخيانة، مؤكدين أن من انحاز لمقاومته في أحلك الظروف لن يقع فريسة لوعود "روابط القرى" الجديدة.
المانع "التحت أرضي".. المخطط الصهيوني الأخطر لإنشاء حدود دائمة في غزة
السياق الثالث وهو الأهم والأخطر، يرتبط بسعي جيش الاحتلال لإنشاء حدود جديدة تفصل بين الأراضي المحتلة عام 48 وبين أراضي القطاع.
ووفقاً لـ "الميادين نت"، يلاحظ قيام الاحتلال بإقامة مانع "تحت أرضي" يفصل المناطق التي احتلها بعد السابع من أكتوبر عن بقية القطاع، وهي مساحات تبلغ حوالى 52% من مجمل مساحة غزة وتمثل خزانها المائي والزراعي، ويتم تنفيذ عمليات الحفر والبناء بسرعة كبيرة بمشاركة شركات مدنية، مع وضع أجهزة ومجسات استشعار إلكترونية متطورة وبناء جدران إسمنتية.
ويحتاج الاحتلال إلى قوات عميلة لتأمين وحراسة هذا المانع بشكل متواصل لتخفيف العبء عن جنوده، وهو ما يفسر استحداث مواقع ونقاط عسكرية للميليشيات المتعاونة بجوار الخط الأصفر مباشرة، في محاولة لاستنساخ تجربة "جيش لحد" في جنوب لبنان، ويهدف هذا المخطط إلى خنق الفلسطينيين في كانتونات ضيقة مدمّرة لدفعهم نحو الهجرة القسرية عبر جعل الحياة مستحيلة في المناطق المتبقية من القطاع.
استدراج المقاومة والرهان على وعي الحاضنة الشعبية لإسقاط الخونة
إضافة إلى ما سبق، يسعى الاحتلال من خلال هذه الهجمات إلى دفع قوى المقاومة للتحرّك على الأرض بشكل مكشوف ليتم استهدافها عبر الطيران الحربي، خصوصاً بعد أن غيرت الفصائل والأجهزة الأمنية من طريقة انتشارها واعتمادها نظام "العقد القتالية السرية".
ويشير تقرير "الميادين نت" إلى أن زيادة وتيرة الهجمات على المناطق السكنية تهدف لاستجلاب رد فعل علني يسهل تحديد أماكن تموضع المقاومين.
ورغم هذه التعقيدات، تشير التوقعات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تآكلاً في هيكلية هذه المجموعات العميلة وانفراط عقدها، لاسيما وأن المنضوين تحت لوائها هم قلة من أصحاب السوابق الجنائية والملفات الأمنية المرفوضين عائلياً ومجتمعياً.
ويؤكد الوعي الشعبي الفلسطيني وتصدي المقاومة لمحاولات الاغتيال والتخريب أن نهاية هؤلاء ستكون كنهاية كل من باع أرضه ودينه للاحتلال على مدار التاريخ، ولن تحميهم الدبابات أو الطائرات من غضبة الشعب الذي يرى فيهم وجوهاً قبِيحة ذميمة تختبئ خلف لثام الذل والمهانة.




