رغم تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار مسؤولي البنتاجون بأن الهجمات على إيران أدت إلى تدمير واسع لقدراتها العسكرية، تشير تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة إلى صورة مختلفة تماماً. فقد كشفت مصادر مطلعة لشبكة CBS News أن طهران "لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة" لم تنهار كما يُروج لها رسمياً. وهذه الفجوة بين الخطاب الرسمي والتحليلات السرية تثير تساؤلات جدية حول دقة التقييمات المعلنة ونوايا البيت الأبيض.
ووفق مسؤولين أمريكيين مطلعين على هذه التقييمات، فإن القدرات العسكرية الإيرانية المتبقية "أكبر" بكثير مما يعلنه البيت الأبيض والبنتاجون في إيجازاتهم اليومية. وهذا الاعتراف غير المعلن يكشف عن تقدير استخباراتي أكثر تحفظاً وتوازناً من التصريحات السياسية المتفائلة. فالحرب التي قادتها واشنطن ضد إيران لم تنجح في تحقيق هدفها المعلن بتجريد طهران من قدراتها الهجومية.
ويشير ثلاثة من هؤلاء المسؤولين إلى أرقام دقيقة تكشف حجم ما تبقى لدى إيران، فحوالي نصف مخزونها من الصواريخ الباليستية ومنظومات الإطلاق بقي سليماً حتى مع بدء سريان وقف إطلاق النار في مطلع أبريل الجاري. وهذا يعني أن آلاف الصواريخ القادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة لا تزال جاهزة للإطلاق. كما أن نحو 60% من القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني لا تزال قائمة، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية التي تشكل تهديداً يومياً للملاحة في الخليج.
هجوم استباقي
وكانت الزوارق الإيرانية قد هاجمت عدة سفن تجارية في مضيق هرمز، الأربعاء الماضي، في رسالة واضحة بأن إيران لا تزال قادرة على تعطيل حركة الملاحة العالمية. وجاء هذا الهجوم بعد وقت قصير من إعلان الرئيس الأمريكي ترامب تمديد وقف إطلاق النار لإتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات. وهذا التوقيت ليس صدفة، بل يعكس استراتيجية إيرانية تهدف إلى إظهار القوة في لحظات الضعف الدبلوماسي المفترض.
إن نجاح الزوارق الإيرانية في الوصول إلى سفن تجارية ومهاجمتها يكشف عن ثغرة أمنية خطيرة في أعتى منطقة بحرية مراقبة في العالم. فمضيق هرمز يخضع لمراقبة أمريكية وبحرية دولية مكثفة، لكن الهجمات الإيرانية تثبت أن طهران لا تزال تسيطر على مفاتيح هذا الممر الحيوي. وهذا الواقع يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية: كيف تعلن النصر بينما العدو لا يزال يضرب متى شاء؟
لذلك فإن التقييمات الاستخباراتية الجديدة تمثل انعكاساً صادقاً للميدان، بعيداً عن الدعاية السياسية. فالزوارق السريعة التي تحدث عنها المسؤولون الأمريكيون ليست مجرد أرقام على الورق، بل هي قوات قتالية تتحرك وتضرب وتراوغ. وهذا ما يجعل مهمة أي مفاوضات أمريكية مع إيران معقدة للغاية، لأن طهران تتفاوض من موقع قوة عسكرية لا تزال قادرة على إلحاق أضرار جسيمة.
سلاح الجو الإيراني
أشار المسؤولون الأمريكيون في تقييماتهم إلى أن القوة الجوية الإيرانية تعرضت لأضرار كبيرة لكنها لم تُمح بالكامل، وهو فارق جوهري قد يغيّر حسابات المنطقة بأكملها. وأضافوا أن نحو ثلثي سلاح الجو الإيراني لا يزال يعمل رغم القصف الأمريكي الإسرائيلي المكثف الذي استهدف آلاف المواقع. هذه النسبة تعني أن إيران ما زالت تملك رصيداً جوياً يمكنها من الدفاع عن أجوائها وتنفيذ عمليات محدودة داخل أراضيها.
لقد استهدف القصف الأمريكي الإسرائيلي منشآت التخزين والإنتاج وقواعد الإقلاع، لكن الشبكة اللامركزية التي بنتها إيران على مدار عقود أظهرت متانة لم تكن متوقعة. فسلاح الجو الإيراني، رغم قدم أغلبيته، يدار بطريقة مرنة تعتمد على التوزيع الجغرافي والتحصينات تحت الأرض. وهذا ما جعل عملية تدميره بالكامل مهمة شبه مستحيلة حتى لأقوى قوات جوية في العالم.
وفي تناقض صارخ مع هذه المعطيات الميدانية، جاءت تصريحات ترامب ووزير حربه بيت هيجسيث التي تحدثت عن تدمير القدرات الإيرانية "إلى حد كبير". فقد قال ترامب بثقة: "لقد دمّرنا قواتهم البحرية والجوية وقضينا على قادتهم". أما هيجسيث فذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، معتبراً أن الولايات المتحدة حققت "نصراً عسكرياً تاريخياً وكاسحاً"، مضيفاً أنها "دمّرت الجيش الإيراني وجعلته غير قادر على القتال لسنوات". وهذه التصريحات تتناقض الآن مع التقييمات السرية التي تتحدث عن بقاء ثلثي القوات الجوية الإيرانية.
قدرات متبقية
قال مسؤول أمريكي إن "التقييمات تُظهر أن العملية دمّرت جزءاً كبيراً من البحرية التقليدية لإيران"، وهو إنجاز لا يمكن إنكاره من الناحية العسكرية البحتة. لكن البحرية التابعة للحرس الثوري، المصممة لحروب غير تقليدية وتعتمد على زوارق صغيرة وسريعة، لا تزال قائمة جزئياً. وهذه القوة بالتحديد هي التي تعرقل حركة شحن النفط في مضيق هرمز وتهدد المصالح الأمريكية وحلفائها بشكل يومي.
وقد أوضح الفريق جيمس آدامز من وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، بصراحة نادرة، أن "إيران لا تزال قادرة على إلحاق أضرار". وهذا الإقرار من أعلى مسؤول استخباراتي دفاعي يعكس قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية من تداعيات التقييم المفرط في التفاؤل. فإذا كان العدو لا يزال قادراً على الإيذاء، فإن النصر المعلن يصبح مجرد كلمة براقة تبتلعها وقائع الميدان القاسية.
وأضاف آدامز في تصريحات لـ CBS News أن "إيران لا تزال تمتلك آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة الانتحارية القادرة على تهديد القوات الأمريكية وشركائها في المنطقة". وهذا ليس مجرد تهديد نظري، بل قدرة مثبتة في الميدان سبق أن استخدمتها طهران في هجمات سابقة. وتراجع قدرات إيران النسبي لا يعني فقدانها القدرة على الردع أو الإيقاع بأضرار مؤلمة، وهو ما يجب أن يوضع في الحسبان قبل أي مغامرة عسكرية مقبلة.
دفاع متحفظ
في تعليق رسمي على التقرير الاستخباراتي المسرب، قال المتحدث باسم البنتاجون شون بارنيل، إن "الحرب كانت ناجحة" دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن حجم النجاح ونوعيته. وأشار بارنيل إلى استهداف أكثر من 13 ألف موقع إيراني خلال أقل من 40 يوماً، وهو رقم ضخم يعكس كثافة القصف غير المسبوقة. ولكن السؤال الذي يظل معلقاً: هل الرقم الكبير للمواقع المستهدفة يعني تدمير القدرات العسكرية بالكامل؟
وأضاف المتحدث أن 92% من أكبر سفن البحرية الإيرانية دُمّرت، إلى جانب "تدمير نحو 44 سفينة لزرع الألغام". هذه الأرقام تبدو مبهرة للوهلة الأولى، لكنها تتجاهل حقيقة أن التهديد الرئيسي يأتي من الزوارق الصغيرة التي لا تدخل ضمن فئة "أكبر السفن". ووصف بارنيل ما تحقق بأنه "أكبر تدمير لبحرية خلال فترة ثلاثة أسابيع منذ الحرب العالمية الثانية"، مقارنةً تاريخية قد تكون دقيقة جزئياً لكنها لا تعكس الصورة الكاملة لميزان القوى بعد انتهاء العمليات.
وختم المتحدث تصريحاته بأن وزير الحرب "فخور للغاية بأداء القوات"، ووصف "التشكيك الإعلامي" بأنه "دليل نجاح بحد ذاته". هذه العبارة الأخيرة تحمل دلالة مثيرة للاهتمام، إذ تعترف ضمنياً بوجود تشكيك واسع في الرواية الرسمية. فإذا كان التشكيك دليلاً على النجاح، فما هو الدليل على الفشل إذن؟ وفي كل الأحوال، تبقى الحقيقة أن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية نفسها ترسم صورة مختلفة تماماً عن صورة النصر الكاسح التي يحاول البنتاجون ترويجها.






