في مشهد يعكس تعقيدات الحرب المستمرة في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، يتصاعد الجدل حول الاستهداف المكثف لعناصر الشرطة، في سياق لا يبدو أنه مجرد تطور ميداني عابر، بل سياسة ممنهجة تحمل أبعادًا أمنية ومجتمعية عميقة، فوفقًا لقراءات ميدانية وتحليلات سياسية، يتجاوز هذا النمط حدود المواجهة التقليدية ليطال البنية المدنية التي تقوم عليها حياة الناس اليومية.
وتتقاطع هذه التحليلات عند نقطة مركزية مفادها أن استهداف الشرطة لا ينفصل عن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل واقع القطاع، ليس فقط أمنيًا، بل اجتماعيًا أيضًا.
فالمعركة، في أحد أوجهها، لم تعد تدور حول السيطرة العسكرية فقط، بل حول إضعاف مقومات الاستقرار الداخلي، بما يفتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية المجتمع الفلسطيني.
العمود الفقري للمجتمع
في هذا السياق، قال الخبير في الشأن الأمني رامي أبو زبيدة إن الاستهداف المكثف للشرطة لا يمكن فهمه كجزء عابر من بنك الأهداف، بل هو سلوك مقصود ضمن إدارة الصراع.
وأوضح أن الأجهزة الشرطية في قطاع غزة، بحكم طبيعتها المدنية، تمثل العمود الفقري الذي ينظم تفاصيل الحياة اليومية، سواء في الأسواق أو في تأمين المساعدات أو في منع الانفلات الأمني.
وأضاف أن ضرب هذه الأجهزة لا يحقق مكسبًا عسكريًا مباشرًا بقدر ما يسعى إلى إحداث فراغ وظيفي ينعكس على المجتمع والحاضنة الشعبية، مشيرًا إلى أن الهدف يتمثل في إعادة إنتاج الفوضى عبر تقليص قدرة الشرطة على ضبط السلوك العام ومكافحة العملاء. هذا الطرح يكشف، في جوهره، أن الاستهداف يتجه نحو إضعاف المجتمع من الداخل، بدلًا من الاكتفاء بمواجهته عسكريًا.
تفكيك داخلي تدريجي
ويؤكد أبو زبيدة أن هذا النمط من الاستهداف يهدف إلى ضرب الثقة داخل المجتمع الفلسطيني، وتثبيت حالة من القلق تمتد إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية. فحين تتراجع قدرة الجهات المنظمة، تبدأ ملامح التفكك الداخلي في الظهور، بدءًا من اضطراب الأسواق وصولًا إلى تآكل الثقة بين الأفراد.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن الاحتلال يدرك أن ضرب البنية الشرطية لا يمنحه تفوقًا عسكريًا مباشرًا، لكنه يفتح المجال أمام تفكك داخلي تدريجي، حيث تظهر بدائل خطرة مثل مجموعات فوضوية، وسلوكيات فردية متفلتة، وشبكات تستثمر في حالة الانهيار، سواء بدوافع إجرامية أو بأجندات أكثر تعقيدًا. ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة الصراع نحو استهداف البنية الاجتماعية نفسها، وليس فقط القدرات العسكرية.
معركة على النظام
في خضم هذا المشهد، تتضح حقيقة أن المعركة لم تعد مرتبطة بوجود الشرطة كجهاز فقط، بل بوجود فكرة النظام كركيزة أساسية لحياة الناس. فالمسألة لم تعد تقنية أو ميدانية بحتة، بل صراع على شكل المجتمع ومستقبله: إما فراغ تتمدد فيه الفوضى وتفرض قواعدها، أو قدرة جماعية على إعادة إنتاج النظام بوسائل أكثر مرونة وتكيفًا مع واقع الاستهداف.
ورغم هذا الواقع القاسي، يلفت أبو زبيدة إلى أن إصرار الشرطة على الاستمرار في أداء دورها يتجاوز البعد الوظيفي، ليعكس محاولة واضحة لمنع الانزلاق نحو نموذج مجتمع مفتوح على الفوضى. كما يؤكد أن غزة، التي اعتادت ابتكار حلولها تحت الضغط، أثبتت قدرتها على تحويل التحديات إلى أدوات صمود، من خلال إعادة تعريف الأمن كحاجة مجتمعية تنبع من الناس، لا كسلطة مفروضة عليهم.
توازن تحت النار
ومن هنا، فإن الخروج من دائرة الاستهداف المتكرر لا يمكن أن يعتمد على انتظار هدوء الميدان، بل يتطلب تأسيس نموذج قادر على التكيّف والاستمرار رغم الضربات. نموذج يقوم على توزيع الأدوار بين المجتمع ومؤسساته، وتعزيز الوعي الجمعي، وترسيخ قناعة بأن البديل عن النظام ليس الحرية كما قد يُروّج، بل الفوضى التي تلتهم الجميع.
في غزة، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة بقاء، يصبح الحفاظ على هذا التوازن شكلًا متقدمًا من أشكال الصمود. فالمواجهة لم تعد فقط على خطوط النار، بل داخل المجتمع نفسه، في قدرته على التماسك وإعادة إنتاج أدوات بقائه، رغم محاولات تفكيكه المستمرة والدور الأمريكي المباشر في دعم الحرب، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى مشهد يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال جوهر الحياة الإنسانية.








