في اللحظة التي تشتعل فيها أسعار النفط العالمية متجاوزة حاجز الـ 107 دولارات، وتتعثر فيها آمال السلام بين واشنطن وطهران، خرج وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتصريح يحمل الكثير من الرسائل المبطنة، مؤكداً أن إيران باتت "جادة" في التوصل إلى اتفاق للخروج من مأزقها.
هذا الاعتراف، الذي أدلى به روبيو لشبكة "فوكس نيوز"، لا يعكس رغبة أمريكية في التهدئة بقدر ما يعكس حجم الضغط الذي تمارسه طهران عبر "سلاح المضائق" والمقترحات الدبلوماسية الجريئة، فبينما يحاول روبيو تصوير الموقف الإيراني كنتيجة لضغوط اقتصادية، تثبت المعطيات الميدانية أن إيران هي من يضع اليوم "خارطة الطريق" لإنهاء الحرب، فارضةً معادلة: "إنهاء العدوان أولاً.. والنووي لاحقاً"، وهو ما وضع الإدارة الأمريكية في مواجهة حقيقة أن سياسة الضغوط القصوى لم تنتج إلا قوة إقليمية أكثر عناداً وندية.
وأشار ماركو روبيو إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران كدافع للتفاوض، لكن المحللين الاستراتيجيين يرون في كلامه اعترافاً خفياً بفشل الرهان على الانهيار الداخلي. إن وصف إيران بـ "الجادة" هو إقرار بأن طهران تمتلك مشروعاً تفاوضياً متكاملاً لا يمكن تجاوزه.
ورغم حديث روبيو عن التضخم وصعوبة دفع الأجور، إلا أن بقاء الدولة الإيرانية صامدة وقادرة على تهديد المصالح الأمريكية في "هرمز" يثبت أن "المأزق" الحقيقي يقع على عاتق واشنطن التي باتت تخشى من انفجار أسعار الطاقة وتأثيرها على الناخب الأمريكي، مما جعلها تبحث عن "مخرج آمن" يحفظ وجهها أمام حلفائها.
المقترح الإيراني الثلاثي: ذكاء دبلوماسي يحرج واشنطن
بالتزامن مع تصريحات روبيو، كشفت تقارير عن مقترح إيراني جديد تم تقديمه عبر وسطاء باكستانيين، يتضمن ثلاث مراحل: إنهاء العدوان تماماً، ثم فتح مضيق هرمز وفق تنسيق سيادي، وأخيراً مناقشة الملف النووي مع استعداد طهران لخفض تخصيب اليورانيوم من 60% إلى 20%، هذا المقترح يمثل ضربة معلم للدبلوماسية الإيرانية؛ فهو يضع أولوية "إنهاء الحرب" كشرط أساسي، مما يسقط الذرائع الأمريكية للاستمرار في التصعيد.
إن رفض روبيو وترامب لهذا المقترح بحجة "اليورانيوم أولاً" يظهر تخبطاً أمريكياً، حيث باتت واشنطن هي من يعرقل فتح الممرات الملاحية الدولية بإصرارها على شروط تعجيزية.
معركة "هرمز": صراع السيادة على الممرات الدولية
رد ماركو روبيو بحدة على ادعاء إيران بأن مضيق هرمز مفتوح، قائلاً إن "التنسيق مع إيران والحصول على إذنها ليس انفتاحاً"، هذا التصريح يكشف جوهر الصراع؛ فإيران نجحت فعلياً في فرض سيادتها على المضيق وتحويله إلى منطقة تتطلب تنسيقاً مباشراً معها.
إن خشية روبيو من "تطبيع" هذا النظام تعكس اعترافاً بأن إيران قد فرضت واقعاً جيوسياسياً جديداً لا يمكن لترامب محوه بالتهديدات عبر "فوكس نيوز". إن تحول المضيق إلى ورقة ضغط اقتصادية عالمية جعل من أي حديث أمريكي عن "حرية الملاحة" مجرد خطاب يفتقر للتطبيق الميداني دون رضا طهران.
توازن الردع: لماذا يصر روبيو على "المنع القاطع" للنووي؟
يشدد روبيو على أن أي اتفاق يجب أن يمنع إيران "بشكل قاطع" من امتلاك سلاح نووي. هذا الإصرار يثبت أن البرنامج النووي الإيراني السلمي قد وصل إلى مرحلة "الردع التقني"، حيث باتت واشنطن تدرك أن طهران تملك القدرة والمعرفة، وأن الاتفاق هو الوسيلة الوحيدة لتأخير ما لا يمكن منعه بالقوة.
إن ربط روبيو بين الاقتصاد والنووي هو محاولة لابتزاز إيران، لكن الرد الإيراني كان دائماً أن "الكرامة والسيادة لا تُباعان بالدولار"، مما جعل المفاوضات التي بدأت في إسلام آباد قبل أسابيع تدور في حلقة مفرغة بسبب التعنت الأمريكي أمام الواقعية الإيرانية.








