قال د. سعيد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يعود الحديث مجددًا عن ترتيبات اليوم التالي في قطاع غزة عبر مقترح يُقدَّم هذه المرة بوصفه خارطة طريق عملية وقابلة للتنفيذ. غير أن التمعّن في تفاصيله يكشف أنه لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى إرث سياسي سابق، تحديدًا الرؤية التي ارتبطت باسم دونالد ترامب، مع إدخال تعديلات تكتيكية تهدف إلى تجاوز عقبات التطبيق التي واجهت الطروحات السابقة بقطاع غزة وبين من يرى فيه محاولة واقعية لإدارة الأزمة، ومن يعتبره إعادة تدوير لمقاربة منحازة، يبقى السؤال المركزي: هل نحن أمام مسار جديد، أم نسخة مُحسّنة من خطة قديمة؟
وأضاف لـ"180 تحقيقات"، أن جوهر المقترح يقوم على إعادة ترتيب الأولويات: الأمن أولًا، ثم السياسة. هذه القاعدة تشكّل العمود الفقري للخارطة المقترحة، حيث يُطرح ملف نزع السلاح أو تحييده التدريجي كمدخل إلزامي لأي انسحاب إسرائيلي أو إعادة إعمار ذات معنى.
ركائز المرحلة الحالية في غزة
وعرض أبو رحمة ركائز للمرحلة الحالية بقطاع غزة، إذ يقول، وعلى خلاف الطروحات الصدامية السابقة، يجري تقديم هذه الفكرة بصيغة مرحلية مرنة، تقوم على حصر السلاح في مناطق محددة، والتقدم خطوة بخطوة وفق معادلة تبادلية: كل تقدم أمني يقابله تخفيف ميداني أو إداري. ورغم هذا التدرج، يبقى المضمون واحدًا: لا انتقال سياسي دون تغيير في بنية القوة على الأرض.
الركيزة الثانية تتمثل في إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية، غالبًا بصيغة لجنة وطنية أو حكومة تكنوقراط، تتولى إدارة القطاع خلال مرحلة انتقالية غير محددة بدقة. الفكرة في ظاهرها تهدف إلى تجنّب حساسية الصراع بين الفصائل، وتقديم جسم محايد يمكن للمجتمع الدولي التعامل معه.
أما الركيزة الثالثة فهي ربط إعادة الإعمار بالامتثال الأمني. وفق هذا المنطق، لن تتدفق أموال الإعمار لقطاع غزة ولن تُفتح مسارات التعافي الاقتصادي إلا في المناطق التي تشهد تقدمًا في ضبط السلاح واستقرارًا تحت إشراف الإدارة الانتقالية. هذه المقاربة تعكس بوضوح منطق التحفيز المشروط، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية كوسيلة لتوجيه السلوك السياسي. لكنها في الوقت نفسه تطرح إشكاليات أخلاقية وعملية، إذ تُحوّل الاحتياجات الإنسانية العاجلة إلى ورقة تفاوض، ما قد يفاقم الاحتقان بدل احتوائه.
وأشار أبو رحمة، ما يمنح هذا المقترح طابع خارطة الطريق هو الترابط العضوي بين عناصره الثلاثة: الأمن، والإدارة، والإعمار. فكل مسار منها مشروط بالآخر، في شبكة من الالتزامات المتبادلة: لا انسحاب دون تقدم أمني في غزة، ولا إعمار دون استقرار، ولا تمكين إداري دون ضبط ميداني. هذه الهندسة تهدف إلى منع أي طرف من تحقيق مكاسب أحادية، وخلق ديناميكية تدفع الجميع إلى الاستمرار في العملية. لكنها في الوقت نفسه تجعل الخطة هشّة؛ إذ إن تعثّر أي مسار كفيل بتعطيل المنظومة بأكملها.
عند مقارنتها برؤية ترامب، يظهر أن الجديد في المقترح ليس في المضمون، بل في آليات التنفيذ. فالرؤية الأصلية كانت أكثر مباشرة وحدّة في طرحها، بينما تحاول النسخة الحالية تغليف الفكرة بلغة براغماتية وتدرج مرحلي. إلا أن جوهر المعادلة لم يتغير: تقديم الأمن على السياسة، واستخدام الاقتصاد كأداة ضغط، وتجنّب الخوض في القضايا النهائية مثل الدولة والحدود. وهذا ما يعيد إنتاج الانتقادات نفسها التي وُجّهت سابقًا، وفي مقدمتها اختلال التوازن بين ما يُطلب من الفلسطينيين وما يُعرض عليهم.
ففي حين يُطلب تقديم تنازل استراتيجي كبير يتمثل في تحييد أو نزع السلاح من المقاومة بـ غزة، لا تتضمن الخارطة ضمانات واضحة ومُلزمة بشأن إنهاء الاحتلال أو قيام دولة فلسطينية. هذا الخلل البنيوي لا يمكن تعويضه بتفاصيل تقنية أو مراحل زمنية، لأنه يمس جوهر الصراع. كما أن غياب أفق سياسي واضح يجعل من الخطة أقرب إلى آلية لإدارة الأزمة، لا حلّها، وهو نمط أثبت محدوديته في تجارب سابقة.
إضافة إلى ذلك، فإن الرهان على التدرج كوسيلة لبناء الثقة قد يصطدم بواقع انعدام الثقة المتراكم. فالأطراف المعنية لا تنطلق من أرضية مشتركة، بل من سرديات متناقضة ومخاوف متبادلة. وفي مثل هذا السياق، قد يُنظر إلى كل خطوة على أنها محاولة لفرض وقائع جديدة، لا كجزء من مسار متوازن. وهذا ما يهدد بتحويل الخارطة من أداة لخفض التوتر إلى مصدر جديد للاحتكاك.
ويقول أبو رحمة، من زاوية أخرى يطرح المقترح تحديًا يتعلق بدور الفاعلين الإقليميين والدوليين. فنجاح أي إدارة انتقالية أو آلية رقابة يتطلب حضورًا دوليًا فاعلًا وضمانات تنفيذية، وهو أمر يرتبط بحسابات سياسية معقدة تتجاوز حدود غزة. كما أن أي انخراط خارجي قد يثير حساسيات إضافية تتعلق بالسيادة والتمثيل، ما يزيد من تعقيد المشهد بدل تبسيطه.
يمكن القول إن المقترح الجديد بشأن غزة يمثل محاولة جادة لتحويل أفكار عامة إلى خطة عمل مفصلة، لكنه يظل محكومًا بقيود الرؤية التي انبثق منها. هو أقرب إلى إعادة تدوير محسّنة لخطة ترامب، مع تعديلات في الشكل وآليات التنفيذ، دون تغيير في الجوهر. وبينما قد ينجح في تحقيق تهدئة مؤقتة أو ترتيب إداري مرحلي، فإن قدرته على إنتاج حل مستدام تبقى محدودة في ظل غياب توازن حقيقي بين الأمن والحقوق السياسية.
وعليه، فإن اختبار هذه الخارطة لن يكون في تفاصيلها التقنية، بل في قدرتها على الإجابة عن السؤال الأساسي الذي ظل مؤجلًا في كل المبادرات السابقة: كيف يمكن الانتقال من إدارة الصراع إلى حله؟ دون إجابة واضحة على هذا السؤال، ستبقى أي خارطة طريق، مهما بدت متماسكة، مجرد محطة مؤقتة في مسار أزمة مفتوحة.






