في تصريح يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة تتجاوز النطاق الجغرافي المحدود، أعلن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، عن رؤية طهران المستقبلية لإدارة واحد من أهم الممرات المائية في العالم، مؤكداً أن مضيق هرمز يمثل حجر الزاوية في استقرار المنطقة ورخائها الاقتصادي.
وشدد قاليباف في تصريحه الأخير على أن إيران، ومن خلال إدارتها الحكيمة والمقتدرة لهذا الممر الحيوي بالتعاون مع جيرانها، ستفتح الباب أمام مستقبل مشرق يتسم بالاستقرار والنمو المستدام، بعيداً عن التوترات التي تخلقها التدخلات الأمريكية المستمرة.
حيث اعتبر أن خروج القوى الأجنبية من هذه المنطقة يمثل "نعمة" ستنعكس إيجابياً على كافة الشعوب المطلة على الخليج، مما يسهم في بناء منظومة أمنية جماعية تعتمد على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.
إن حديث قاليباف لا ينبع من مجرد رغبة في السيطرة العسكرية، بل يعبر عن فلسفة سياسية تؤمن بأن أمن المنطقة هو مسؤولية دولها فقط، وأن الوجود العسكري الأمريكي لم يكن يوماً عامل استقرار، بل كان دائماً وقوداً للصراعات والنزاعات التي استنزفت موارد المنطقة، ومن هنا تأتي أهمية إدارة مضيق هرمز كأداة لتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي، حيث تمتلك إيران الإمكانيات التقنية والعسكرية والبشرية التي تؤهلها لضمان سلامة الملاحة الدولية في هذا المضيق بمهنية عالية، مع الحفاظ على حقوق كافة الدول الجارة في الاستفادة من هذه النعمة الطبيعية دون الحاجة إلى وصاية دولية تفرض أجندات خارجية لا تخدم سوى مصالح القوى العبرى.
الأمن الجماعي: كيف تعيد إيران صياغة علاقات الجوار عبر بوابة هرمز؟
لقد ركز محمد باقر قاليباف في خطابه على مفهوم "الجيران"، وهي إشارة ذكية تهدف إلى طمأنة الدول المحيطة بأن السيادة الإيرانية على مضيق هرمز ليست موجهة ضدهم، بل هي درع حماية يهدف إلى تأمين تدفق الطاقة العالمي وضمان عدم تحول هذه الممرات إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية.
حيث يرى قاليباف أن التعاون بين طهران والعواصم الخليجية في إدارة هذا المضيق سيعزز من مكانة المنطقة كقطب اقتصادي عالمي مستقل، ويجعل من "نعمة المستقبل" واقعاً ملموساً يتجلى في تراجع حدة التهديدات الأمنية وتطور التبادل التجاري.
إن هذه الرؤية تعكس رغبة إيرانية جادة في تصفير المشاكل الإقليمية والتركيز على التنمية الشاملة التي تنطلق من السيطرة الوطنية على المقدرات الجغرافية.
كما أوضح رئيس البرلمان الإيراني أن الإدارة الناجحة لمضيق هرمز تتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز البعد العسكري ليشمل الجوانب اللوجستية والبيئية والاقتصادية، مؤكداً أن إيران قطعت أشواطاً كبيرة في تطوير بنيتها التحتية البحرية بما يخدم هذا التوجه الاستراتيجي، وأن التدخلات الأمريكية هي العائق الوحيد الذي يحول دون تحقيق تكامل إقليمي حقيقي.
ومن خلال هذه التصريحات، يبعث قاليباف برسالة واضحة مفادها أن طهران مستعدة للقيام بدورها كقوة مسؤولة تضمن الأمن للجميع، شريطة أن تحترم القوى الدولية إرادة شعوب المنطقة في تقرير مصيرها وإدارة ممراتها المائية بعيداً عن لغة التهديد والعقوبات التي أثبتت فشلها على مدار العقود الماضية.
آفاق المستقبل: إنهاء الوجود الأمريكي وتحقيق السيادة البحرية الكاملة
إن التحدي الأكبر الذي تواجهه المنطقة، بحسب رؤية قاليباف، هو تحويل مضيق هرمز من نقطة احتكاك دولي إلى نقطة تلاقٍ إقليمي، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بإنهاء مبررات الوجود الأمريكي التي تعتمد دائماً على فكرة "تأمين الملاحة"، بينما تؤكد إيران يوماً بعد يوم أنها الأقدر على حماية هذه الملاحة بفضل جغرافيتها وتاريخها وخبرتها الميدانية.
حيث أشار قاليباف إلى أن المستقبل الذي يتطلع إليه هو مستقبل السيادة الكاملة، حيث تدير دول المنطقة شؤونها بنفسها، وتستثمر مواردها في خدمة شعوبها، مما يؤدي إلى تلاشي الصراعات المصطنعة التي كانت تغذيها القوى الخارجية لضمان بقاء قواعدها العسكرية في المنطقة، وهذه "النعمة" التي تحدث عنها هي الحالة الطبيعية التي يجب أن تعود إليها المنطقة بعد عقود من التدخلات.
وفي سياق متصل، أكد قاليباف أن البرلمان الإيراني يدعم بقوة كافة المبادرات الدبلوماسية والعسكرية التي تهدف إلى تعزيز قدرات إيران في إدارة مضيق هرمز، معتبراً أن القوة العسكرية الإيرانية هي قوة دفاعية تهدف إلى ردع الطامعين وضمان السلام، وأن هذه القوة هي التي ستعبد الطريق أمام الجيران للعيش في أمان واستقرار.
إن هذا الربط بين القوة والنعمة والمستقبل يعكس نضجاً سياسياً في الخطاب الإيراني يسعى إلى تحويل عناصر القوة إلى أدوات للبناء والتعاون الإقليمي، بما يضمن بقاء مضيق هرمز شرياناً نابضاً بالحياة يخدم مصالح الجميع دون استثناء، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التي بدأت ملامح انحسارها تظهر بوضوح في كافة الملفات الإقليمية.
الدور التشريعي في حماية السيادة الوطنية وإدارة الممرات المائية
لا يتوقف دور قاليباف عند التصريحات الإعلامية، بل يمتد إلى قيادة السلطة التشريعية لتأطير هذه الرؤية ضمن قوانين واتفاقيات تعزز من الوجود الإيراني القانوني والشرعي في المياه الإقليمية والدولية.
حيث يسعى البرلمان الإيراني إلى تعزيز التعاون مع برلمانات الدول المجاورة لخلق منظومة قانونية تحمي الممرات المائية من الانتهاكات الأجنبية، وهذا الحراك التشريعي يكمل الدور الميداني الذي تقوم به القوات المسلحة، مما يجعل من إدارة مضيق هرمز عملية مؤسسية متكاملة تهدف إلى تحقيق الاستقلال الوطني الشامل، ويرى قاليباف أن نجاح هذه التجربة في هرمز سيكون نموذجاً يحتذى به في ممرات مائية أخرى، مما يسهم في إعادة رسم خارطة القوى العالمية لصالح الدول التي تمتلك الإرادة والسيادة.
إن تصريحات محمد باقر قاليباف تمثل خارطة طريق لمستقبل المنطقة، حيث تضع مضيق هرمز في قلب عملية التحرر من التبعية للأجندات الأمريكية، وتدعو الجيران إلى استثمار هذه الفرصة التاريخية لبناء نظام إقليمي جديد يعتمد على التعاون والكرامة والسيادة المشتركة.
إن "نعمة المستقبل" التي يبشر بها قاليباف هي دعوة للسلام المبني على القوة والعدل، وهي الرسالة التي تؤكد إيران من خلالها أنها ستظل دائماً الحارس الأمين لمصالحها ومصالح جيرانها في مواجهة كافة التحديات والتدخلات الخارجية التي لم تجلب للمنطقة سوى الخراب والدمار.







