في غمرة الصراع المحتدم والعدوان المستمر على قطاع غزة، تبرز جبهة أخرى لا تقل ضراوة عن الميدان العسكري، وهي جبهة "المعلومة" التي يحاول الاحتلال تغييبها عبر تدمير ممنهج للبنية التحتية التكنولوجية.
وكشف سائد حسونة، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير،وفي تصريحات خاصة لـ موقع "180 تحقيقات"، أن انقطاع الإنترنت والاتصالات في غزة لم يكن مجرد عطل تقني عابر، بل كان استهدافاً مباشراً لتدفق المعلومات من داخل القطاع إلى العالم الخارجي، حيث أدى هذا الانقطاع إلى تعطيل الحلقة الأساسية والجوهرية التي تربط بين الحدث الميداني، والشاهد العيان، والصحفي المهني، والجمهور المترقب، مؤكداً أن قيمة المعلومة في ظروف الحرب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "سرعة الوصول"، وهو ما جعل نقل الصورة في غزة عملية بطيئة، معقدة، وفي كثير من الأحيان مستحيلة تماماً في لحظات فارقة وحرجة.
الفراغ المعلوماتي: بيئة خصبة للتضليل والتشكيك
ويرى الخبير سائد حسونة أن الخطورة الحقيقية لانقطاع الاتصالات تكمن في خلق ما يسمى بـ "الفراغ المعلوماتي"، موضحاً أن هذا الفراغ في الفضاء الرقمي لا يبقى فارغاً أبداً، بل تسارع القوى المعادية لملئه بروايات متضاربة، وحملات تشكيك ممنهجة، ومحاولات تضليل منظمة تهدف إلى طمس الحقائق وفي هذا السياق، يعمل الصحفيون وصناع المحتوى الرقمي في غزة تحت وطأة ضغوط مركبة واستثنائية، فهم يواجهون خطراً مباشراً على حياتهم نتيجة القصف المستمر، إضافة إلى معاناة النزوح وانهيار الخدمات الأساسية، وصولاً إلى الضعف الشديد في إمدادات الكهرباء وشبكات الإنترنت، مما جعل الصحفي في غزة لا يكتفي بتغطية الحدث من الخارج، بل أصبح يعيش في قلبه وتفاصيله المؤلمة، فهو قد يمتلك الصورة الصادقة أو الشهادة الحية، لكنه يفتقر دوماً للقدرة التقنية على إرسالها أو حفظها بالسرعة المطلوبة.
الوسائل البدائية والعملية الإعلامية المعقدة
ولقد تحولت العملية الإعلامية اليومية في قطاع غزة لتصبح مرتبطة بتفاصيل تقنية بدائية ولكنها حاسمة ومصيرية؛ حيث يطرح الصحفي على نفسه أسئلة وجودية قبل البدء بأي تغطية، هل يوجد شحن كافٍ في بطارية الهاتف؟ هل تتوفر شبكة في هذا الموقع؟ هل يمكن إرسال الملف الثقيل قبل انقطاع الإشارة؟ وهل ستصل المادة كاملة أم ستتوقف في منتصف الطريق؟ هذا الواقع المرير جعل لوسائل التواصل الاجتماعي دوراً مزدوجاً ومتناقضاً في آن واحد، فمن جهة، كانت هذه المنصات نافذة كبرى لكسر احتكار الرواية وتمكين الشهادات المباشرة من الوصول للرأي العام العالمي.
ومن جهة أخرى، تحولت إلى ساحة شرسة للصراع على المعنى، حيث يتم اقتطاع المحتويات من سياقها واستخدامها ضمن حملات تضليل كبرى، مما يفرض ضرورة ملحة لوجود سياق وتحقق دقيق يربط الصورة بالزمان والمكان والمصدر، فالحقيقة الرقمية لا تُبنى من منشور واحد، بل من شبكة أدلة متقاطعة ومعقدة.
تدمير البنية التحتية وتهديد الذاكرة الفلسطينية
ويشير سائد حسونة بمرارة إلى أن تدمير البنية التحتية التكنولوجية لم يقتصر أثره على سرعة النشر فحسب، بل امتد ليهدد قدرة الصحافة الفلسطينية على التوثيق وحماية الذاكرة الوطنية، فعندما تنهار شبكات الاتصال والكهرباء، تصبح الأرشفة التاريخية للمواد المرئية والمكتوبة مهددة بالضياع والفقدان، أو التشويه المتعمد، مما يجعل العمل الإعلامي في غزة يتجاوز مجرد التصوير والكتابة ليصبح جهداً يومياً مستميتاً من أجل البقاء والحفظ والإرسال تحت ظروف قاهرة، ولضمان استمرار هذه التغطية الرقمية.
كما يشدد حسونة على ضرورة التفكير بمنطق "المنظومة" المتكاملة لا بمنطق الأداة الواحدة، وذلك عبر اعتماد استراتيجيات التخزين الموزع للمواد، وإنتاج نسخ متعددة الجودة من المحتوى “نسخة أصلية للأرشفة، ونسخة مضغوطة للإرسال السريع”، بما يضمن وصول الحقيقة حتى في أسوأ حالات ضعف الشبكة.
بروتوكولات النشر في الأزمات: خارطة طريق للمستقبل
وفي إطار سعيه لتقديم حلول عملية، يؤكد حسونة على أهمية وجود فرق دعم خارجية تتولى مهام التحقق الفني، وتحليل الصور، ومطابقة المواقع الجغرافية، وترتيب التسلسل الزمني للأحداث، مما يخفف العبء الذهني والميداني عن الصحفيين داخل القطاع.
كما يشدد على ضرورة تدريب صناع المحتوى على بروتوكولات خاصة للنشر في الأزمات، تضمن توثيق الزمان والمكان بدقة، وحماية المصادر البشرية، وإرسال الحد الأدنى من المعلومات الحيوية عند انقطاع الشبكة ثم استكمال التفاصيل لاحقاً.
إن انقطاع الإنترنت في غزة لا يعني أبداً تأخر النشر، بل هو محاولة سياسية وعسكرية لعزل الشهادة الفلسطينية عن الضمير العالمي، والمعركة الإعلامية اليوم لا تقتصر على نقل الصورة، بل تتمحور حول منع عزلها، ومنع تشويهها، وحمايتها من المحو من الذاكرة العامة للأجيال القادمة.




