19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الإمارات تنسحب من أوبك.. خبير أمريكي يكشف صراع النفوذ بين أبوظبي والرياض

يصف أولريكسن، وهو خبير معروف بمتابعته الدقيقة للشأن الإماراتي والسياسات الداخلية للدول الخليجية، القرار الإماراتي بأنه جاء بعد سنوات من الاختلافات المتزايدة بين سياسات أبوظبي والرياض النفطية.

بقلم: أخبار ومتابعات
١ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
17 مشاهدة
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد

في خطوة مفاجئة لكنها كانت متوقعة للمراقبين الدقيقين، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، في الثامن والعشرين من أبريل 2026، انسحابها الرسمي من منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" ومن تحالف "أوبك+" الموسع الذي يضم روسيا، على أن يصبح القرار نافذاً في الأول من مايو 2026، مما سيحرم المجموعتين من ثالث ورابع أكبر منتج للنفط على التوالي. 

ويأتي هذا الانسحاب في توقيت بالغ الحساسية، حيث يواجه الكارتل النفطي أضعف لحظاته في ظل حرب أمريكا وإسرائيل على إيران التي شلت حركة الملاحة في مضيق هرمز وأدت إلى اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية. 

ويقول كريستيان كوتس أولريكسن، الزميل في معهد بيكر بجامعة رايس الأمريكية والمقيم في تكساس، وأحد أبرز المراقبين للسياسة الخليجية والصراعات داخل مجلس التعاون، إن قرار أبوظبي بالانسحاب من أوبك وخوض غمار المنافسة بمفردها "كان في الأجندة منذ فترة" ويأتي بعد سنوات من الشكاوى الإماراتية المتتالية من سياسات الكارتل النفطي.

ويصف أولريكسن، وهو خبير معروف بمتابعته الدقيقة للشأن الإماراتي والسياسات الداخلية للدول الخليجية، القرار الإماراتي بأنه جاء بعد سنوات من الاختلافات المتزايدة بين سياسات أبوظبي والرياض النفطية، وأيضاً بعد تنامي التنافسيات الإقليمية بين أكبر دولتين سنيتين في الخليج حول قضايا إقليمية أوسع. 

ويكشف المحلل الأمريكي أن هذا الصدع بين الإمارات والسعودية كان قد انفجر إلى العلن في ديسمبر 2025، عندما تهددت رؤى متعارضة للأمن في اليمن بإشعال الحرب الأهلية مجدداً في ذلك البلد الذي مزقته النزاعات لعقود. ويشدد أولريكسن على أن الوحدة التي أظهرتها دول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية يجب ألا تخفي الانقسام الأساسي بين أبوظبي والرياض، والذي لا يشكل قرار الإمارات بشأن أوبك سوى أحدث تجلياته وأكثرها وضوحاً وتأثيراً على الأسواق العالمية.

أوبك في مواجهة الخروج الإماراتي

تأسست منظمة أوبك في عام 1960 كآلية تسمح للدول المنتجة الرئيسية للنفط بوضع حدود للإنتاج وبالتالي التحكم في سعر النفط الخام حول العالم، وقد لعبت المنظمة دوراً قوياً في إعادة تشكيل ميزان القوى بين المنتجين والمستهلكين في سبعينيات القرن الماضي. 

وقد كانت الإمارات عضواً في أوبك منذ تأسيس اتحاد الإمارات السبع في عام 1971، على الرغم من أن إمارة أبوظبي التي تمتلك وحدها 95 بالمئة من الاحتياطيات النفطية الإماراتية كانت عضواً منذ عام 1967. ويشير أولريكسن إلى أنه على الرغم من انسحاب أعضاء آخرين من أوبك في السنوات الأخيرة، مثل قطر في عام 2019 وأنجولا في عام 2024، فإن تأثير انسحاب الإمارات أكبر بكثير ويؤثر على حوالي 12 بالمئة من إجمالي إنتاج أوبك النفطي. وهذا الرقم ليس مجرد إحصاء بارد، بل يعني خسارة فادحة لقدرة المنظمة على التحكم في الأسعار والتأثير على الأسواق العالمية.

مبنى كبير كُتب عليه "منظمة الدول المصدرة للنفط".
صورة خارجية لمقر منظمة أوبك في فيينا. كريستيان برونا/جيتي إيميجز

 

والأخطر من ذلك، كما يشرح المحلل الأمريكي، هو أن خروج الإمارات يزيل أحد المنتجين الرئيسيين القادرين على زيادة الإنتاج بسرعة (المنتج المتأرجح أو swing producer) من داخل أوبك، مما يضعف بشكل كبير قدرة المنظمة على الاستجابة بسرعة وفعالية للظروف المتغيرة في الأسواق في المستقبل. 

فالدول القليلة التي تمتلك القدرة على زيادة الإنتاج بشكل فوري هي السعودية والإمارات والكويت والعراق، ومع خروج الإمارات، تتركز هذه القدرة بشكل أكبر في يد السعودية وحدها، مما يجعل المنظمة أكثر هشاشة وأقل مرونة في مواجهة الأزمات. وفي ظل الحرب المستعرة على إيران والتهديدات المستمرة لشحنات النفط في مضيق هرمز، فإن هذه الهشاشة قد تكون كارثية على الأسواق العالمية التي كانت تراهن على قدرة أوبك على تعويض أي نقص في الإمدادات.

صراع الأولويات: لماذا تختلف الإمارات عن السعودية؟

يكشف التحليل الذي يقدمه كريستيان كوتس أولريكسن عن جذور الخلاف العميقة بين أبوظبي والرياض، موضحاً أن الإمارات كانت قد بدأت في الإشارة إلى انقسام محتمل قبل خمس سنوات على الأقل، عندما ظهرت خلافات في الرأي مع السعودية حول كيفية إدارة سياسة النفط قبل قمة أوبك+ في نوفمبر 2020، ثم انفتح هذا الخلاف علناً خلال اجتماع لاحق لدول أوبك+ في يوليو 2021. 

وفي كلتا الحالتين، أرادت الإمارات زيادة إنتاج النفط الذي تم تخفيضه بشكل حاد من قبل أعضاء أوبك خلال جائحة كورونا، بينما سعت السعودية إلى الحفاظ على أسعار مرتفعة من خلال إبقاء الإنتاج منخفضاً والأسعار مرتفعة. وهذا الاختلاف في الموقف ليس مجرد رأي عابر، بل يعكس ظروفاً اقتصادية مختلفة بين الدولتين الخليجيتين الكبريين.

فالسعودية، كما يوضح أولريكسن، تعتمد بشكل كبير على أسعار النفط المرتفعة لتوليد الإيرادات اللازمة لتمويل ميزانيتها الضخمة ودفع تكاليف مشاريع البنية التحتية العملاقة مثل مشروع رؤية 2030 الطموح. 

أما الاقتصاد الإماراتي، فهو أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً بشكل مباشر على عائدات النفط، مما يمنح أبوظبي مرونة أكبر في سياساتها النفطية. والأهم من ذلك، أن أبوظبي استثمرت بكثافة في السنوات الأخيرة لتوسيع طاقتها الإنتاجية، بهدف زيادة إنتاجها من 3.4 مليون برميل يومياً قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، وربما أكثر من ذلك لاحقاً. 

وهذا التوسع يعكس رغبة إماراتية واضحة في "تسييل" احتياطياتها النفطية وبيعها في الأسواق بأسرع وقت ممكن، لتجنب خطر تحول هذه الاحتياطيات إلى "أصول عالقة" (أي غير قابلة للبيع) إذا انخفض الطلب العالمي على النفط في أي انتقال مستقبلي بعيداً عن الوقود الأحفوري.

تحولات ما بعد الحرب

يذهب المحلل الأمريكي إلى ما هو أبعد من مجرد الخلافات النفطية، ليؤكد أن قيادة الإمارات تضع اليوم في المقام الأول مضاعفة جهودها لتحقيق مصالحها الوطنية، مع التركيز بشكل خاص على تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وعلى الأرجح أيضاً مع إسرائيل، على حساب الدول التي تشعر أبوظبي بأنها تعكس "عالماً قديماً" تسعى الآن إلى تركه وراءها. 
ويشير أولريكسن إلى أنه على الرغم من أن الحرب في إيران ربما طغت مؤقتاً على اندلاع التوترات السعودية الإماراتية بشأن اليمن والرؤى المتنافسة للمنطقة، إلا أن الانقسام لم يتم حله قبل أن تطلق الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية في 28 فبراير 2026.

ويكشف أولريكسن عن تصريحات لشخصيات إماراتية بارزة تشير إلى أن المسؤولين في الإمارات كانوا يراقبون عن كثب أي الدول التي، من وجهة نظرهم، تحركت لمساعدة الإمارات في أوقات الأزمات وأي الدول لم تفعل. وهذه الحسابات الباردة ستؤثر بلا شك على التحالفات الإقليمية والدولية للإمارات في المستقبل. 

يقف الرجال الذين يرتدون البدلات والملابس الخليجية التقليدية.
وزراء الطاقة من روسيا والسعودية والإمارات العربية المتحدة في اجتماع لمنظمة أوبك في الرياض، المملكة العربية السعودية، في 2 يونيو 2024. (وكالة فرانس برس عبر جيتي إيميجز)

 

ويخلص المحلل الأمريكي إلى أن قرار الإمارات بشأن أوبك يعكس إذن حسابات جديدة في أبوظبي مفادها أنه لم يعد هناك أي فائدة من البقاء داخل منظمة تهيمن عليها السعودية. والأكثر إثارة للقلق، كما يرى أولريكسن، هو أن إعادة النظر الإماراتية في عضويات أخرى، مثل جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو حتى مجلس التعاون الخليجي نفسه، قد تكون الخطوة التالية، بينما تبدأ الإمارات ودول إقليمية أخرى في التفكير ملياً في مشهد ما بعد الحرب غير المؤكد.

الإمارات تراهن على نفسها

بهذا الانسحاب المدوي، تكون الإمارات قد أعلنت بشكل غير مباشر أن عصر "القبضة السعودية" على أوبك قد انتهى، وأن أبوظبي لن تقبل بعد اليوم بأن تكون مجرد تابع أو منفذ لسياسات الرياض النفطية التي قد لا تخدم مصالحها الوطنية العليا. وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه السعودية تحديات هائلة على أكثر من صعيد: حرب إقليمية مدمرة، وأسواق نفط مضطربة، وشراكة أمريكية متذبذبة، ومنافسة إماراتية متزايدة على النفوذ الإقليمي. 

وبينما تستعد الإمارات لزيادة إنتاجها النفطي إلى 5 ملايين برميل يومياً، وتكثف علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب، تبقى الأسئلة الكبيرة معلقة حول مستقبل أوبك ومستقبل التحالفات الخليجية في مرحلة ما بعد الحرب. وهل ستكون الإمارات الدولة الخليجية الوحيدة التي تغادر السفينة، أم أن دولاً أخرى ستحذو حذوها إذا شعرت أن مصالحها لم تعد محورية في أجندة الرياض؟ الأيام والأشهر القادمة وحدها كفيلة بتقديم الإجابات.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الإمارات تنسحب من أوبك.. خبير أمريكي يكشف صراع النفوذ بين أبوظبي والرياض - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°