19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

روبوت يتتبع حيتان العنبر في أعماق المحيط لرصد التواصل فيما بينها

تسبح حيتان العنبر في ظلام دامس في أعماق المحيطات السحيقة، وتتواصل مع بعضها البعض بأصوات متقطعة ونقرات متباعدة يمكنها قطع مسافات شاسعة تصل إلى عدة كيلومترات تحت سطح الماء. والآن يقول العلماء إنهم بدأوا في تتبع هذه الإشارات الصوتية النادرة في الوقت الفعلي

بقلم: أخبار ومتابعات
٢ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
13 مشاهدة
رصد أصوات التواصل بين حيتان العنبر باستخدام روبوت، صورة بالذكاء الاصطناعي - الشرق

رصد أصوات التواصل بين حيتان العنبر باستخدام روبوت، صورة بالذكاء الاصطناعي - الشرق

تسبح حيتان العنبر في ظلام دامس في أعماق المحيطات السحيقة، وتتواصل مع بعضها البعض بأصوات متقطعة ونقرات متباعدة يمكنها قطع مسافات شاسعة تصل إلى عدة كيلومترات تحت سطح الماء. والآن يقول العلماء إنهم بدأوا في تتبع هذه الإشارات الصوتية النادرة في الوقت الفعلي، وذلك باستخدام روبوت تحت الماء ذاتي التشغيل قادر على تتبع الحيتان من خلال الاستماع إلى أصواتها وتحديد اتجاهها بدقة متناهية. وهذه التقنية الجديدة تمثل نقلة نوعية في دراسة هذه الثدييات البحرية الضخمة التي طالما أحاط الغموض بسلوكها وأنماط تواصلها المعقدة.

استخدام النقرات للتواصل

تستخدم حيتان العنبر نقرات صوتية مميزة ومتتالية للتنقل في أعماق المحيط المظلمة ولصيد الفرائس من حبار وأسماك، حيث تصدر هذه النقرات بشكل متقطع ومنتظم يمكنها من تحديد مواقع الأشياء عبر صدى الصوت. كما تُصدر هذه الحيتان العملاقة نقرات متسلسلة نمطية ومتكررة تُعرف عند العلماء باسم "كودا"، وهي أنماط صوتية يُعتقد على نطاق واسع أنها تلعب دوراً محورياً في التواصل الاجتماعي بين أفراد المجموعة الواحدة. وتختلف هذه النقرات في ترددها وطولها وتتابعها حسب الموقف والسياق، مما يشير إلى وجود نظام تواصل معقد لم يفك شيفرته العلماء بعد.

اكتشف العلماء لأول مرة أن حيتان العنبر تنطق وتصدر أصواتاً تحت الماء في عام 1957، إلا أن فهم كيفية تواصلها وترابط هذه الأصوات بسلوكها ظل صعباً ومستعصياً لعقود طويلة. والسبب الرئيسي في هذه الصعوبة هو أن هذه الثدييات البحرية العملاقة تغوص إلى أعماق تزيد على 1.6 كيلومتر تحت سطح البحر لمدة تصل إلى 50 دقيقة تقريباً كل ساعة، مما يجعل المراقبة المستمرة والمباشرة لها أمراً بالغ الصعوبة ويتطلب تقنيات متطورة. وعندما تكون الحيتان في هذه الأعماق السحيقة، يصعب على الباحثين تتبعها أو تسجيل أصواتها أو مراقبة تفاعلاتها الاجتماعية بأي وسيلة تقليدية.

كيف يعمل الروبوت؟

قال أستاذ علم الأحياء والعلوم البيئية في كلية باروخ بجامعة مدينة نيويورك الأمريكية، ديفيد جروبر، إن "الروبوت الغاطس تحت الماء يستمع إلى الحيتان عبر 4 ميكروفونات مائية حساسة موزعة في زواياه الأربع، ثم يوجه نفسه نحوها باستخدام خاصية ذكية مدمجة فيه لهذا الغرض تحديداً". وجروبر هو مؤسس ورئيس مجلس إدارة مشروع (CETI) العالمي المعني بفهم لغة التواصل بين الحيتان عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة.

وقد شارك في إعداد الدراسة العلمية التي نُشرت خلال الأسبوع الجاري في مجلة Scientific Reports المرموقة. وأضاف جروبر موضحاً: "عندما يرصد الروبوت الأصوات المميزة لحيتان العنبر، يحدد البرنامج الخاص به مصدر الصوت بدقة ويتواصل تلقائياً مع نظام الملاحة المزود به لتغيير اتجاهه وتعديل مساره وتتبع الحوت أينما ذهب".

تغيير مستوى الطفو

يتميز هذا النوع المتطور من أجهزة الروبوت بقدرته الفريدة على تغيير مستوى الطفو ببطء وبشكل تدريجي، حيث يصبح أثقل قليلاً عندما يتطلب الأمر النزول إلى الأسفل والغوص إلى أعماق أكبر، ويصبح كذلك أخف وزناً ليتمكن من الارتفاع والعودة إلى السطح بسلاسة. وهذه الميزة تجعل الروبوت قادراً على محاكاة حركة الحيتان في عمود الماء والبقاء في نفس المنطقة التي توجد فيها المجموعة التي يتتبعها. ويمكن للروبوت بهذه الطريقة أن يظل ملاصقاً للحيتان على أعماق مختلفة دون أن يفقد الاتصال الصوتي بها أو يبتعد عنها.

أوضح جروبر أن ما يميز نظام الروبوت الجديد والمبتكر بشكل خاص هو أنه "يمكنه اتخاذ القرارات بنفسه في الوقت الفعلي بينما لا يزال غاطساً تحت الماء"، وهذا يختلف تماماً عن الأنظمة القديمة التي كانت تكتفي بتسجيل البيانات الصوتية لتحليلها لاحقاً بعد استعادة الأجهزة إلى السطح. فقد كانت الطرق السابقة تسمح للعلماء برسم خريطة تقديرية لمسار الحوت، لكنها لم تسمح أبداً بمتابعته بشكل فعلي ومباشر ولحظة بلحظة كالتي يوفرها هذا الروبوت الذكي. 

وأشار جروبر إلى أن النهج الجديد "يُحدّث مسار الروبوت باستمرار وبشكل تلقائي بحيث يمكنه البقاء برفقة حوت واحد أو مجموعة كاملة لفترات طويلة جداً، قد تصل إلى شهور متواصلة من المراقبة الدقيقة".

تحول في دراسة الحيتان

تمثل القدرة الجديدة على تتبع الحيتان لفترات أطول بكثير مما كان ممكناً سابقاً، ما وصفه جروبر بأنه تحول جذري وحقيقي في علم دراسة الحيتان، حيث يسمح للعلماء بالبقاء مع نفس الحوت أو نفس المجموعة بدلاً من الاعتماد على لمحات قصيرة وخاطفة لا تكفي لفهم السلوك. وبفضل هذه التقنية، يمكن للباحثين رؤية أنماط سلوكية متكاملة تحدد كيفية تنسيق الحيتان لتحركاتها وتفاعلها الاجتماعي المعقد واستجابتها المفصلة لبيئتها المتغيرة بمرور الوقت. كما يمكن أن تساعد هذه البيانات الغنية والمفصلة في الإجابة على أسئلة قديمة وعالقة منذ عقود بشأن كيفية تواصل حيتان العنبر وما تعنيه النقرات وأنماط "الكودا" المختلفة.

n7PwwmbBXL_1777641373
رسم توضيحي لكيفية رصد أصوات التواصل بين حيتان العنبر باستخدام روبوت تحت الماء - nature


 

تأثير النشاط البشري

يمكن للنظام الجديد أيضاً أن يكشف للباحثين كيف تتفاعل الحيتان مع النشاط البشري المتزايد في المحيطات، حيث يسمح بتتبع الطريقة الدقيقة التي تتغير بها اتصالات الحيتان وسلوكياتها في وجود الضوضاء التي يصنعها الإنسان من سفن وشحن وبناء بحري. ويقدم هذا النظام صورة أوضح وأشمل عن كيفية تأثير الأنشطة البشرية المختلفة مثل الشحن التجاري والبناء البحري الضخم وعمليات الصيد المكثفة على هذه الكائنات العملاقة الحساسة. وبهذه المعرفة الجديدة، يمكن للعلماء تقديم توصيات أكثر دقة لحماية الحيتان من الآثار السلبية للتوسع البشري في المحيطات.

قرارات قائمة على الأدلة

قال الباحثون المشرفون على الدراسة إنه من خلال ربط سلوك الحيتان واستجاباتها بالضغوط البيئية المختلفة والمتداخلة، يمكن لهذه التقنية المتطورة أن تساعد صناع القرار في اتخاذ قرارات أكثر دقة وعلمية وقائمة على أدلة ملموسة بدلاً من التخمينات. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام البيانات لتحديد متى يجب تقليل سرعات السفن العابرة في مناطق وجود الحيتان، أو لإعادة توجيه حركة المرور البحرية بعيداً عن مسارات هجرتها، أو لتطبيق قيود موسمية على الصيد في مناطق معينة لتقليل الاضطراب البشري. وهذه التطبيقات العملية تجعل من الروبوت الجديد أداة مهمة ليس فقط لفهم الحيتان، بل أيضاً لحمايتها من الأخطار المتزايدة التي تواجهها في محيطات العالم.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

روبوت يتتبع حيتان العنبر في أعماق المحيط لرصد التواصل فيما بينها - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°