يرى الكاتب يئير زيمون، المحاضر في الاقتصاد والتمويل في جامعة تل أبيب والمتخصص في المجتمع الأمريكي وتطوير الأعمال التجارية، أن هذا الأسبوع تلقت عبارة «النظام العالمي القديم مات» معنىً متجددا. ويشير إلى أن الإعلان الرسمي لاتحاد الإمارات عن الانسحاب من منظمة «أوبك زائد»، بعد عشرات السنين من العضوية، ليس فقط قرارا اقتصاديا – فنيا بل إعلان استقلال استراتيجي يغير قواعد اللعب في سوق النقد. ويؤكد أن هذا القرار يؤثر على استقرار الأسعار العالمي، ويعيد تصميم ميزان القوى في الشرق الأوسط مع تداعيات مباشرة على إسرائيل، جاء ذلك في مقال نشرته صحيفة معاريف العبرية.
تركيبة المنظمة
ويوضح الكاتب أنه كي نفهم عظمة الساعة، ينبغي النظر إلى تركيبة المنظمة عشية الانسحاب، مشيرا إلى أن منظمة «أوبك زائد» هي رفع مستوى الكارتل الأصلي الذي نشأ كي يضم قوى عظمى إنتاجية أخرى برئاسة روسيا. ويفيد بأن نواة «أوبك» تضم السعودية (الزعيمة الفعلية)، العراق، الكويت، اتحاد الإمارات المنسحبة، الجزائر، ليبيا، ايران، نيجيريا، الكونغو، جابون، غينيا الاستوائية وفنزويلا. ويذكر أن الشركاء الخارجيين هم روسيا، كازخستان، المكسيك، عُمان، أذربيجان (موردة مركزية لإسرائيل)، البحرين، بروناي، ماليزيا، السودان وجنوب السودان.
تاريخ التأسيس
ويضيف الكاتب أن منظمة الدول المنتجة للنفط التي تعرف باسم «أوبك» تأسست في 14 أيلول 1960، في مؤتمر عقد في بغداد، العراق، بمبادرة الدول المؤسسة الخمس: ايران، العراق، الكويت، السعودية وفنزويلا. ويذكر أن دولة اتحاد الإمارات العربية انضمت إلى منظمة «أوبك» في العام 1967، مشيرا إلى أن هدف تأسيس المنظمة كان توحيد سياسة النفط للدول الأعضاء ولضمان أسعار مستقرة وعادلة لمنتجات النفط. ويوضح أن المقر المركزي للمنظمة يوجد في فيينا، النمسا.
كما أضاف أن السعودية استعرضت قوتها في أعقاب حرب يوم الغفران في العام 1973 وقادت مقاطعة نفطية تاريخية هزت العالم، موضحا أن الدول العربية، أعضاء «أوبك»، قلصت الإنتاج وأوقفت تماما الإرساليات للدول التي دعمت إسرائيل. ويفيد أن هذا المقاطعة أدت إلى ارتفاع بأربعة أضعاف في أسعار النفط العالمية في غضون اشهر معدودة، وتسببت بركود عالمي عميق غيرت مفهوم امن الطاقة في الغرب. ويذكر أن هذه المقاطعة أدت إلى إقامة وكالة الطاقة الدولية (IEA) والبحث عن مصادر طاقة بديلة.
هيمنة المنظمة
ويرى الكاتب أن منظمة «أوبك زائد» كانت تحوز حتى وقت قصير مضى نحو 59% من إنتاج النفط العالمي، ما سمح لها أن تملي الأسعار من خلال تقليص أو زيادة الإنتاج بالتنسيق. ويؤكد أن مغادرة اتحاد الإمارات، المنتجة الثالثة في أهميتها في المنظمة، تسحب البساط من تحت أقدام قدرة التنسيق هذه، مشيرا إلى أن الانسحاب يمثل ضربة قوية لوحدة المنظمة. ويحذر من أن هذا القرار قد يكون بداية لتفكك أوسع يغير قواعد اللعبة في أسواق الطاقة العالمية.
ويشير الكاتب إلى أن الانفجار بين أبو ظبي والرياض لم يقع في يوم واحد، موضحا أن اتحاد الإمارات استثمر في العقد المنصرم عشرات مليارات الدولارات في تطوير شبكات النفط لديها وفي رفع قدرة الإنتاج إلى نحو 5 مليون برميل يوميا. ويذكر أن السقوف المتصلبة التي فرضتها «أوبك زائد» أجبرتها على أن تنتج اقل بكثير مما تستطيع، ما مس بمردود الاستثمار وبقدرة تمويل رؤيا «اقتصاد المستقبل» للدولة. ويضيف أن السعودية بقيادة محمد بن سلمان حاولت الإبقاء على أسعار عالية (فوق 90 دولارا للبرميل) كي تمول مشاريع طموحة، بينما دفعت اتحاد الإمارات نحو استراتيجية «البيع بأكبر قدر ممكن طالما كان النفط لا يزال مهما».
التوتر الأمني
ويضيف الكاتب أن النزاع في الشرق الأوسط والتوتر الأمني مع ايران والإغلاقات المتكررة في مضيق هرمز دفعت اتحاد الإمارات لأن تفهم أنها تحتاج إلى يد حرة للتوقيع على اتفاقات توريد ذاتي مع المستهلكين في الغرب والشرق الأقصى. ويشير إلى أن أبو ظبي لا تريد أن تكون مقيدة بمصالح روسيا أو ايران في إطار منتدى المنظمة، مما دفعها لاتخاذ هذا القرار الاستراتيجي. ويرى أن الانسحاب يمنح الإمارات حرية أكبر في التعامل مع الأسواق العالمية دون وساطة أو قيود.
ويرى الكاتب أن ترك اتحاد الإمارات هو رصاصة انطلاق لمنافسة عنيفة، موضحا أنه بدون التزام بالقيود من المتوقع لاتحاد الإمارات أن تضخ إلى السوق نحو مليون برميل آخر في اليوم في المدى القصير. ويحذر من أنه عندما يعمل لاعب كبير كهذا وحده، من شأن السعودية وروسيا أن تردا بـ"إغراق مضاد" كي تحافظا على نصيبهما في السوق، مما قد يؤدي إلى انهيار الأسعار مثلما رأينا في 2014 وفي 2020. ويذكر أن دولا أخرى كالعراق أو كازخستان تعاني هي الأخرى من القيود التي فرضتها السعودية، وقد تسير في أعقاب اتحاد الإمارات.
تفكك "أوبك زائد"
ويؤكد الكاتب أنه إذا تفكك «أوبك زائد»، فإن النفط سيتحول من بضاعة تسيطر عليها السياسة إلى بضاعة يقررها العرض والطلب فقط، ما سيؤدي إلى حراكات متطرفة في الأسعار. ويرى أنه في المدى الفوري، تدفع الحرب الإقليمية السعر إلى أعلى (في محيط 105 دولارات للبرميل)، لكن التفكك البنيوي لـ»أوبك زائد» سيخلق ضغطا لتخفيض الأسعار في المدى البعيد. ويشير إلى أن هذا الحدث يحمل تداعيات اقتصادية وجيوسياسية دراماتيكية على إسرائيل التي تعتمد أساسا على استيراد النفط الخام من أذربيجان، كازخستان، نيجيريا والبرازيل.
تأثر الاحتلال
ويوضح الكاتب أن الارتفاع الأولي في الأسعار في أعقاب الحرب والهزة في «أوبك زائد» يبدو ملموسا جزئيا حاليا في جيب كل إسرائيلي في محطة الوقود. لكنه يرى أنه إذا أدت الخطوة إلى منافسة حرة في سوق النفط العالمية، فإن إسرائيل كفيلة بأن تتمتع في المدى البعيد بأسعار مستقرة ومتدنية اكثر، ما يقلص غلاء المعيشة. ويشير إلى أن اتفاقات إبراهيم تخلق فرصة لإسرائيل لاتفاقات توريد بعيدة المدى مباشرة مع اتحاد الإمارات دون «وساطة» كارتل النفط، واصفا ذلك بالذخر الاستراتيجي من الدرجة الأولى.
فرصة استراتيجية
ويرى الكاتب أن خروج اتحاد الإمارات من الإطار العربي – الروسي – السعودي يخلق مسيرة محتملة من تقرب إضافي للغرب ولإسرائيل، ويعمق التعاون الاقتصادي أيضا إلى مجالات الطاقة والبنى التحتية.
ويشير إلى أن وجود خط أنبوب إيلات – عسقلان والممر البري إلى البحر المتوسط يصبحان اكثر جاذبية حين تعمل اتحاد الإمارات خارج «أوبك»، حيث يسمحان بنقل النفط من الخليج عبر إسرائيل إلى أوروبا (التفافي قناة السويس والتفافي مضيق هرمز). ويؤكد أن «أوبك زائد» كانت أحد آخر الأماكن التي كان يمكن لإيران فيه أن تؤثر على سياسة دول الخليج، وإضعاف المنظمة هو ضربة لقدرة النفوذ الاقتصادي لطهران.
انتقال تاريخي
ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن ترك اتحاد الإمارات «أوبك زائد» ليس اقل من انهيار مفهوم يعود إلى 50 سنة، مشيرا إلى أن الحديث يدور عن انتقال من عالم كارتيلات ممركزة إلى عالم منافسة حرة في ظل حرب إقليمية. ويخلص إلى أن هذا التحول يشكل بالنسبة لإسرائيل تحديا لإدارة أسعار في المدى القصير، لكنه فرصة هائلة لتثبيت مكانتها الطاقية والسياسية حيال شريك قرر المراهنة على المستقبل.








