20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

نزيف الكبد والطحال.. كيف نجا هلال نصّار من موت محقق داخل معتقل سدي تيمان؟ (حوار خاص)

في قلب المعاناة التي لا تصفها الكلمات، تبرز شهادة الأسير المحرر هلال نصّار كوثيقة إدانة صارخة لما يحدث خلف الجدران الصماء في السجون الإسرائيلية

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
٣ مايو ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
52 مشاهدة
هلال نصار

هلال نصار

في قلب المعاناة التي لا تصفها الكلمات، تبرز شهادة الأسير المحرر هلال نصّار كوثيقة إدانة صارخة لما يحدث خلف الجدران الصماء في السجون الإسرائيلية، وتحديداً في معتقل "سدي تيمان" الذي تحول إلى رمز للموت البطيء. لم تكن لحظة اعتقال هلال من "مدينة حمد" السكنية مجرد إجراء أمني، بل كانت بداية لرحلة انصهار في أتون التعذيب المنهجي الذي يستهدف سحق الروح والجسد معاً. 

أمام أعين أطفاله وزوجته، سُحب هلال إلى عالم يسوده الصعق بالكهرباء، والضرب المبرح بالعصي المعدنية، والتحقيق الذي لا ينتهي إلا بالدماء. 

يروي نصّار لـ "180 تحقيقات" تفاصيل مروعة عن "غرف الديسكو" حيث يُستخدم الصوت العالي كأداة للتعذيب النفسي، وعن وحدات "الناخشون" و"موتسادة" التي استباحت أجساد الأسرى الغزيين، لدرجة تحويل هلال نفسه إلى "شهيد حي" نجا من الموت بأعجوبة بعد إصابته بنزيف داخلي حاد في الكبد والطحال إثر اعتداء وحشي ترك ندوباً لا تندمل في جسده وروحه حتى هذه اللحظة.

من مدينة حمد إلى كيسوفيم: اللحظات الأولى من رحلة الانكسار الجسدي

بدأت الحكاية في الثالث من مارس عام 2024، حين حاصرت قوات جيش الاحتلال مدينة حمد السكنية، ليجد هلال نصّار نفسه وشقيقه مكبلي الأيدي أمام عائلاتهم في مشهد يملؤه الرعب والدموع. لم يكتفِ الاحتلال بالاعتقال، بل بدأ فوراً في تنفيذ تحقيق ميداني استمر لخمس ساعات متواصلة تحت وطأة الضرب والشبح والتهديد المباشر.

 يصف هلال تلك الساعات بأنها كانت محاولة لكسر الإرادة من خلال الابتزاز والمساومة، قبل أن يتم نقلهم في شاحنات مكتظة إلى موقع "كيسوفيم". 

هناك، كانت وحدات "الناخشون" في الانتظار، لتبدأ نوبة جديدة من الاعتداءات المركزة على الأطراف والرأس، في محاولة لإحداث عاهات دائمة للأسرى قبل وصولهم إلى المعتقلات المركزية، وهو ما يعكس رغبة سادية في الانتقام من المدنيين العزل الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قبضة آلة عسكرية لا ترحم.

معتقل سدي تيمان: الثقب الأسود والقمع باستخدام الكلاب والكهرباء

عندما وطأت أقدام هلال معتقل "سدي تيمان"، أدرك أنه دخل مرحلة مجهولة من العذاب لم يسبق له أن تخيلها، حيث بدأ الاستقبال بإطلاق الكلاب البوليسية المسعورة على الأسرى المكبلين لإرهابهم. 

لم تتوقف الفظائع عند هذا الحد، بل يروي هلال تعرضه وفلسطينيين آخرين للصعق بالكهرباء في المناطق الحساسة من الجسم، وهي سياسة تهدف إلى تحويل الأسرى إلى حطام بشري. تبرز في شهادته محطة "الديسكو"، وهو مصطلح يطلقه السجانون على غرف العزل المعتمة التي يتم فيها تشغيل أصوات عالية جداً ومزعجة على مدار الساعة لمنع الأسرى من النوم أو التفكير، مما يؤدي إلى انهيارات عصبية ونفسية حادة. 

هذه الأساليب، التي تُصنف عالمياً كجرائم ضد الإنسانية، كانت جزءاً من الروتين اليومي داخل هذا المعتقل السيئ السمعة الذي خُصص للتنكيل بأسرى قطاع غزة بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.

قمعة مايو الدامية: عندما تحول هلال نصّار إلى "شهيد حي"

في السادس من مايو 2024، شهد المعتقل واحدة من أعنف موجات القمع، حيث اقتحمت وحدات خاصة الغرف وقامت باختيار مجموعة من الأسرى بناءً على توصيات استخباراتية، وكان هلال من بينهم. تعرض هلال لضرب وحشي لمدة عشرين دقيقة متواصلة باستخدام "التنفة"، وهي عصا معدنية ثقيلة، تركزت الضربات على منطقة البطن والصدر. 

أدى هذا الاعتداء إلى إصابته بنزيف داخلي حاد حول الكبد والطحال، مما اضطره للخضوع لثلاث عمليات جراحية عاجلة في مستشفى "سوروكا" العسكري تحت حراسة مشددة. 

يصف هلال تلك الفترة بأنها كانت صراعاً بين الموت والحياة، حيث أمضى عشرة أيام تحت أجهزة التنفس الاصطناعي، وعانى من استفراغ الدم وتبول الدم، وهي أعراض ما زالت ترافقه حتى اليوم، مما يثبت أن الاحتلال يتعمد إلحاق إصابات لا تُشفى لضمان استمرار معاناة الأسير حتى بعد الإفراج عنه.

المخابرات الإسرائيلية وسؤال الكنية: محاولات الشاباك لاختراق الوعي

خلال جولات التحقيق المتكررة في سجون "بيت شيمش" و"عوفر" و"نفحة"، كان ضباط الشاباك يركزون على تفاصيل تبدو بسيطة لكنها تحمل دلالات عميقة، مثل "الكنية" والأسماء. 

يسرد هلال موقفاً مع ضابط المخابرات الذي سأله بإلحاح عن سبب تسمية ابنه البكر "يحيى"، محاولاً حشره في زاوية الانتماء السياسي من خلال تخييره بين "يحيى السنوار" أو "يحيى عياش". 

رد هلال كان صادماً للضابط، حيث أكد أن التسمية تعود لنبي الله يحيى عليه السلام، في رسالة واضحة بأن الهوية الفلسطينية متجذرة في التراث والدين وليست مجرد انعكاس لصراعات آنية. كما تكشف الشهادة عن اعتراف ضباط المخابرات بقوة الأمن الداخلي في غزة خلال فترة حكم حماس، وكيف استطاعت ضبط الحدود والقضاء على ظاهرة العمالة، وهو ما يعكس إحباطاً استخباراتياً من تماسك الجبهة الداخلية الفلسطينية رغم كل محاولات الاختراق.

مجزرة سجن النقب: العيارات المطاطية والغاز قبل "صفقة الطوفان"

قبل الإفراج عنه بأسبوعين، وبالتحديد في 30 سبتمبر 2025، شهد هلال فصلاً جديداً من فصول التوحش في سجن "كيتسعوت" (النقب).

 اقتحمت وحدة "موتسادة" البوليسية قلعة (أ) وهاجمت مئات الأسرى بالعيارات المطاطية والغاز المهدئ للأعصاب بشكل مباشر وقاتل.

 أسفر هذا الاقتحام عن سقوط شهداء وإصابات بالغة بين الأسرى، وهو ما اعتبره هلال محاولة أخيرة من إدارة السجون للانتقام من الأسرى قبل إتمام صفقة التبادل. يؤكد نصّار أن تعمد إطلاق الغاز المهدئ للأعصاب يهدف إلى إحداث شلل مؤقت أو دائم في الجهاز العصبي للأسرى، مما يجعل رحلة خروجهم من السجن ممزوجة بالآلام والأمراض المزمنة، وهي سياسة "الأرض المحروقة" التي يتبعها الاحتلال حتى في اللحظات الأخيرة من المفاوضات السياسية.

النخبة المجتمعية خلف القضبان: رسالة هلال نصّار للثبات والمسؤولية

رغم كل هذا العذاب، يخرج هلال نصّار برؤية فلسفية عميقة حول مصطلح "النخبة" الذي كان يطلقه السجانون عليهم كنوع من التهمة.

 يرى هلال أن أسرى غزة هم حقاً "نخبة مجتمعية"، تضم الطبيب والمعلم والمهندس والعامل البسيط، الذين توحدوا جميعاً في خندق المعاناة والبطولة. يشدد هلال على مفهوم "الثغر"، معتبراً أن كل فلسطيني هو مرابط على ثغرة من ثغرات الوطن، وأن المسؤولية الفردية هي أساس الحماية المجتمعية. 

تنتهي شهادة هلال بصورة مؤثرة لحظة وصوله إلى مجمع ناصر الطبي لإجراء الفحوصات، حيث يبدو جسده النحيل شاهداً على جريمة العصر، لكن عيناه تعكسان إرادة لا تنكسر، مؤكداً أن ما عاشه في "سدي تيمان" والنقب هو ضريبة الانتماء لأرض لا تقبل القسمة على اثنين، وأن صرخة الأسرى ستظل تطارد الجلادين في كل المحافل الدولية حتى تحقيق العدالة.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

نزيف الكبد والطحال.. كيف نجا هلال نصّار من موت محقق داخل معتقل سدي تيمان؟ (حوار خاص) - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°