19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

دمشق تمضي بدمج «قسد».. إفراجات متبادلة وصدامات تعصف بملف الحسكة

أفرجت السلطات السورية، الجمعة، عن دفعة جديدة من الموقوفين المنتمين إلى «قسد»، دنوب الحسكة، ضمن تفاهمات تبادل وإفراج مرتبطة بالاتفاق الموقّع بين الجانبين في 29 يناير الماضي.

بقلم: أخبار ومتابعات
٨ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
14 مشاهدة
إنزال اللوحة التعريفية بعد الهجوم على قصر العدل في الحسكة لأنها لم تتضمن اللغة الكردية الخميس (وكالات)

إنزال اللوحة التعريفية بعد الهجوم على قصر العدل في الحسكة لأنها لم تتضمن اللغة الكردية الخميس (وكالات)

في خطوة تعكس إصرار الحكومة السورية على المضي في تنفيذ اتفاق الدمج الموقع مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، أفرجت السلطات السورية، الجمعة، عن دفعة جديدة من الموقوفين المنتمين إلى «قسد»، دنوب الحسكة، ضمن تفاهمات تبادل وإفراج مرتبطة بالاتفاق الموقّع بين الجانبين في 29 يناير الماضي، وسط استمرار التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بملف شمال شرق سوريا.

وانطلقت الدفعة الجديدة من الموقوفين من مراكز الاحتجاز التابعة للدولة باتجاه منطقة الميلبية جنوب الحسكة، تمهيداً لإتمام عملية الإفراج بإشراف مباشر من الفريق الرئاسي المكلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق الدمج، بحسب ما أعلنته «مديرية إعلام الحسكة». وأوضحت المعلومات أن المفرج عنهم كانوا قد أوقفوا خلال عمليات إنفاذ القانون التي شهدتها مناطق متفرقة خلال الأشهر الماضية.

وجاءت هذه الخطوة بعد تسريبات ومعلومات متداولة خلال الأيام الأخيرة تحدثت عن تحضيرات مكثفة للإفراج عن مئات المعتقلين من عناصر «قسد» المحتجزين لدى الحكومة السورية. وكانت مصادر خاصة قد رجحت لوكالة «ANHA» الكردية أن تشمل العملية الجديدة نحو 300 موقوف، في إطار محاولة تسريع تنفيذ البنود المتعثرة من الاتفاق، لا سيما بعد توقف عمليات التبادل منذ 11 أبريل الماضي.

تعثر ملف الدمج

ورغم استمرار عمليات الإفراج، فإن ملف دمج المؤسسات بين الحكومة السورية و«قسد» لا يزال يواجه عراقيل ميدانية وسياسية متزايدة، كان أبرزها التوتر الذي شهده القصر العدلي في مدينة الحسكة، الخميس، بعد اعتداء عناصر من «الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قسد» على المبنى وموظفيه، بالتزامن مع ترتيبات رسمية لتسليمه للحكومة وإعادة افتتاحه بشكل رسمي.

تجمُّع أهالي المعتقلين لدى «قسد» بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق مع الحكومة السورية - الحسكة - 11 أبريل 2026 (رويترز).jpeg
تجمُّع أهالي المعتقلين لدى «قسد» بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق مع الحكومة السورية - الحسكة - 11 أبريل 2026 (رويترز)


 

وأثار الحادث حالة من التوتر داخل المدينة، خصوصاً مع تداول روايات متباينة حول أسباب الاحتجاجات. ففي حين اتهمت الحكومة السورية مجموعات مرتبطة بـ«قسد» بتنفيذ أعمال شغب وتخريب تستهدف مؤسسات الدولة، قالت مواقع كردية إن حالة الغضب الشعبي اندلعت بعد إزالة اللغة الكردية من اللوحة التعريفية الخاصة بالقصر العدلي، والاكتفاء باستخدام اللغتين العربية والإنجليزية فقط.

ويعكس هذا التوتر عمق الخلافات التي لا تزال قائمة بين الطرفين بشأن شكل الإدارة المدنية والقضائية في مناطق شمال شرق سوريا، حيث ترى القوى الكردية أن الاعتراف باللغة الكردية جزء أساسي من أي تفاهم سياسي مستقبلي، بينما تتمسك دمشق ببنية الدولة المركزية وبمرجعية الدستور والقوانين النافذة.

اللغة العربية والسيادة

وفي محاولة لاحتواء الجدل المتصاعد، أصدر نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ اتفاق الدمج، أحمد الهلالي، بياناً توضيحياً أكد فيه أن القصر العدلي يمثل مؤسسة رسمية تخضع للقوانين السورية النافذة، وأن استخدام اللغة العربية في المؤسسات الرسمية يرتبط بمفهوم السيادة والنظام العام في الدولة.

اجتماع في مبنى محافظة الحسكة تمهيداً لإعادة افتتاح القصر العدلي في المدينة (مديرية إعلام الحسكة).jpeg
اجتماع في مبنى محافظة الحسكة تمهيداً لإعادة افتتاح القصر العدلي في المدينة (مديرية إعلام الحسكة).


 

وأوضح الهلالي أن المرسوم رقم 13 يعترف باللغة الكردية بوصفها لغة وطنية، ويسمح بتدريسها ضمن الأنشطة التعليمية والثقافية في المناطق ذات الغالبية الكردية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن اللغة العربية تبقى اللغة الرسمية الوحيدة في سوريا وفق الدستور والتشريعات الحالية، وهو ما يفرض اعتمادها حصراً في المؤسسات الرسمية والمعاملات القانونية والإدارية.

وأشار المسؤول السوري إلى أن أي تعديل يتعلق بالوضع القانوني للغات داخل المؤسسات الرسمية يحتاج إلى تعديلات دستورية وتشريعية مستقبلية، لا يمكن إنجازها إلا عبر المؤسسات المختصة، وفي مقدمتها مجلس الشعب السوري المنتظر انعقاده خلال المرحلة المقبلة، ما يعكس تمسك دمشق بإطارها القانوني المركزي في إدارة ملف الدمج.

توتر أمني متصاعد

بالتوازي مع ذلك، أدانت وزارة العدل السورية أعمال التخريب التي استهدفت القصر العدلي في الحسكة، ووصفتها بأنها انتهاك خطير للنظام العام ولسيادة الدولة وهيبة القانون، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات قانونية بحق المتورطين في الأحداث.

ويكشف هذا التصعيد حجم التعقيدات التي تواجه مشروع دمج المؤسسات الأمنية والإدارية والقضائية بين الحكومة السورية و«قسد»، خصوصاً أن الملف يشهد تعثراً متواصلاً منذ بدء خطوات تنفيذه في أبريل الماضي، نتيجة التباينات السياسية والاعتراضات المحلية المرتبطة بطبيعة الإدارة ومستقبل النفوذ في مناطق شمال شرق البلاد.

كما تعكس التطورات الأخيرة أن التفاهمات بين دمشق و«قسد» لا تزال محكومة بتوازنات هشة، تجمع بين التنسيق الأمني المحدود والتنافس السياسي العميق، في ظل محاولات الحكومة السورية إعادة فرض مؤسساتها الرسمية بشكل كامل، مقابل تمسك القوى الكردية بهوامش الإدارة الذاتية التي بنتها خلال سنوات الحرب.

شمال سوريا المأزوم

ويرى مراقبون أن استمرار الإفراجات المتبادلة يمثل محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التفاهمات بين الجانبين ومنع انهيار مسار الدمج بالكامل، خاصة في ظل الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل مناطق شمال شرق سوريا.

من استقبال الرئيس أحمد الشرع رئيسَ «قسد» مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية» إلهام أحمد بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني - 15 أبريل 2026 (سانا).jpeg
من استقبال الرئيس أحمد الشرع رئيسَ «قسد» مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية» إلهام أحمد بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني - 15 أبريل 2026 (سانا)


 

لكن في المقابل، فإن التوترات التي فجرتها قضية القصر العدلي واللغة الكردية تعكس أن الصراع لم يعد مقتصراً على الملفات الأمنية فقط، بل بات يمتد إلى الهوية والإدارة والسيادة وشكل الدولة السورية المقبلة، وهي ملفات أكثر حساسية وتعقيداً من مجرد ترتيبات ميدانية أو تفاهمات أمنية مؤقتة.

ويبدو أن دمشق تسعى إلى تثبيت معادلة تقوم على إعادة دمج المناطق الخارجة عن سيطرتها ضمن مؤسسات الدولة المركزية دون تقديم تنازلات دستورية أو سياسية واسعة، بينما تحاول «قسد» الحفاظ على المكاسب الإدارية والسياسية التي راكمتها خلال السنوات الماضية، وهو ما يجعل مسار الدمج مفتوحاً على مزيد من التوترات والصدامات السياسية خلال المرحلة المقبلة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

دمشق تمضي بدمج «قسد».. إفراجات متبادلة وصدامات تعصف بملف الحسكة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°