على وقع هدنة هشّة يصفها كثيرون بأنها "نكتة تنطلي على المنبطحين"، وفيما تدكّ "آلة القتل الإسرائيلية" جغرافيا جنوب لبنان وتغيّر معالمه، تنطلق في واشنطن الجولة الثانية والثالثة من المفاوضات المباشرة.
يجلس الوفد اللبناني إلى طاولة يصطدم عندها "الدستور" بـ"الضرورة"، و"السيادة" بـ"الجريمة"، في مشهد تتقاطع فيه الضغوط الجيوسياسية مع انقسام داخلي عمودي، وحالة انهيار اقتصادي غير مسبوقة.
لكن قبل الغوص في دهاليز السياسة والقانون، ثمة حقيقة أكثر إيلامًا تفرض نفسها بقوة. بعيداً عن حسابات المفاوضين، تبقى الحقيقة الأقسى أن أكثر من مليون نازح لبناني لا تعنيهم "الضرورات الدستورية" ولا "نقاط القوة التفاوضية". كل ما يعنيهم هو معرفة إن كانت هذه الجولة ستعيدهم إلى قراهم المدمرة، أم أنها مجرد مسرحية دبلوماسية أخرى على وقع الدمار الممنهج للجنوب. هذا البعد الإنساني هو ما يمنح الصراع وجعه الحقيقي، وهو ما يجعل من أي فشل تفاوضي كارثةً لا تحتمل. وانطلاقاً من هذا الوجع، يمكن فهم الحسابات المعقدة لكل طرف من أطراف المعادلة.
أولا: لبنان الرسمي.. التطبيع واشتعال الداخل
في مقدمة هذه الأطراف، تقف الدولة اللبنانية بثقلها الدستوري وهشاشتها السياسية. يجلس الوفد اللبناني مكبّلاً بتناقضين قاتلين: خارجي، بين مطلب إسرائيلي-أميركي بـ"التطبيع الكامل" وسقف لبناني لا يتجاوز "الهدنة بلس"؛ وداخلي، بين سلطة الدولة وسلطة حزب الله الذي يصف الجلوس مع إسرائيل بـ"تفاوض الذئب والحمل". الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يطرحان "الهدنة بلس"، أي إنهاء حالة العداء دون سلام كامل أو لقاء رئاسي، معتبرَين أن الانسحاب الكامل وعودة النازحين خطوط حمراء. قوتهم تكمن في الشرعية الدستورية والمظلة الدولية، لكن ضعفهم صارخ اقتصاد منهار يجعلهم أسرى للمساعدات المشروطة، وانقسام يحرمهم من إجماع وطني، وعجز عن فرض أي تعهدات على الأرض.
ثانياً: حزب الله... وقلب معادلة الرفض
غير أن أي حديث عن موقف الدولة يبقى ناقصًا ما لم يُستكمل بموقع حليفها وخصمها في آنٍ: حزب الله. يقف الحزب خارج غرفة التفاوض، لكنه يقف في قلب كل بند يُناقش فيها. بالنسبة له، التفاوض المباشر مع إسرائيل "خطأ كبير يزيد الانقسام الداخلي"، وسلاحه "ليس جزءاً من المفاوضات الجارية". قوته في حضوره العسكري وقواعده الشعبية التي خرجت مؤخراً في استعراضات حاشدة لتأكيد الجاهزية، وفي الدعم الإقليمي الذي يوفره المحور الإيراني. لكن نقاط ضعفه تتزايد مع الإرهاق العسكري، والضغط الشعبي المتزايد من النازحين الذين يريدون العودة، والاتهامات التي يوجهها له خصومه بأنه "دمّر لبنان" وأوصله إلى هذا المأزق.
والأهم أن الحزب وحلفاءه يُمسكون بورقة قانونية صلبة: قوانين المقاطعة التي تُجرم الجلوس مع العدو. ردّة فعل الحزب على هذه المفاوضات لم تكن مجرد تصريحات إعلامية، بل تمثلت في استعراضات ميدانية في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، رسالة مفادها أن أي اتفاق لا يرضى عنه لن يكون له قيمة على الأرض. وهذا ما يجعل أي تسوية سياسية مرهونة، عملياً، برضاه أو تحييده.
ثالثاً: الحركات المقاومة الأخرى... صمت مشروط بموازين الردع
وإذا كان حزب الله يشكل العمود الفقري لجبهة الرفض، فإن هذه الجبهة تضم فواعل أخرى تلعب أدوارًا تكميلية لا تقل أهمية. إلى جانب حزب الله، تقف حركات المقاومة الفلسطينية في لبنان، وحركة أمل، وبعض فصائل المقاومة الإسلامية الأخرى، في موقع داعم لموقف الحزب الرافض للتطبيع. لكن هذه الحركات، وعلى رأسها حركة أمل بزعامة نبيه بري، تلعب دوراً مزدوجاً: دعم الرفض من جهة، وتسهيل مهمة الدولة التفاوضية من جهة أخرى عبر "التفاهمات" التي يرعاها بري نفسه. فبري هو مهندس "الغطاء الشيعي" الذي يسمح للدولة بالتفاوض دون اتهامها بالخيانة، عبر الإصرار على أن التفاوض ليس تطبيعاً بل "ضرورة وطنية مؤقتة". هذا الموقف يمنح الحركات المقاومة الأخرى هامشاً للمناورة دون تفكيك جبهة الرفض، لكنه يضعها في حالة ترقب: فإذا تجاوزت الدولة "سقف الضرورة" نحو التطبيع، ستنقلب هذه الحركات من غطاء إلى معارضة شرسة.
رابعاً: موقف السُنّة الغائب... فراغ القيادة وضياع البوصلة
في مقابل هذا الحضور الشيعي المنظم، يبرز فراغ سنّي يثقل كاهل المعادلة الوطنية برمتها. يُشكّل غياب قيادة سنّية جامعة واحداً من أبرز نقاط الضعف في المشهد اللبناني الراهن. فبعد انكفاء تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري، دخلت الطائفة السنية في حالة من التشرذم وفقدان البوصلة السياسية. لا يوجد اليوم صوت سنّي موحد يعبّر عن موقف واضح من المفاوضات، باستثناء تحركات فردية من نواب مستقلين أو شخصيات دينية متفرقة. هذا الغياب يُضعف أي إجماع وطني، ويُسكت شريكاً أساسياً في المعادلة اللبنانية، ويمنح القوى الأخرى (حزب الله من جهة، والدولة من جهة أخرى) هامشاً أوسع للتحرك دون مساءلة طائفية متوازنة. وفيما تتردد أصداء الموقف السعودي الرافض للتطبيع، لا تجد هذه المواقف من يحملها بفعالية على الأرض اللبنانية، مما يجعل الغطاء العربي مشلولاً عملياً.
خامسا: إسرائيل... بين منطق التطبيع اوالتدمير
هكذا يبدو الداخل اللبناني مفككًا إزاء أعتى خصومه. على الجانب الآخر من الطاولة، تمسك إسرائيل بورقتين: الدبلوماسية والتدمير الممنهج. تريد "تطبيعاً كاملاً" يشمل نزع سلاح حزب الله، والموافقة على احتفاظها بنقاط أمنية في الجنوب، وإلغاء قانون منع التطبيع اللبناني لعام 1955. قوتها في تفوقها العسكري ودعم واشنطن المطلق. لكن إسرائيل تدرك أن التدمير لا يصنع أمناً مطلقاً، وأن استمرار الاستنزاف الأمني يثقل كاهلها. لذلك، تُلزِم إسرائيل نفسها بالحفاظ على "حرية العمل" العسكري، متى وأينما تشاء، كشرط لأي تسوية.
سادساً: واشنطن والرياض... مهندس الصفقة وصاحب الخطوط الحمراء
غير أن هذه المواجهة الثنائية بين لبنان وإسرائيل لا تجري في فراغ إقليمي، بل تُدار بحضور دولي وإقليمي فاعل. تلعب إدارة ترامب دوراً مزدوجاً: "وسيط نزيه" و"طرف ضاغط" بقوة على بيروت لإلغاء قانون منع التطبيع، وربط إعادة الإعمار بنزع سلاح الحزب. واشنطن ترى في لبنان حلقة من صفقة إقليمية كبرى، على غرار ما تطلبه من إيران. لكن اللعبة الأميركية ليست وحدها في الملعب. في المقابل، تقف السعودية معارضة لأي تطبيع لبناني مباشر، رافضةً نسخة جديدة من "اتفاقات أبراهام" في بيروت، وذلك حفاظاً على موقعها في صراع النفوذ الإقليمي. هذا الموقف يُقيّد المناورة الأميركية لكنه ليس دعماً لبنانياً غير مشروط، ويبقى رهناً بتطورات إقليمية أوسع.
سابعاً: المعضلة القانونية... "الضرورات تبيح المحظورات" كغطاء للسيادة
وفوق هذا المشهد السياسي المحموم، تظل هناك معضلة صامتة لكنها بالغة الخطورة: معضلة الأساس القانوني الذي تجري تحته هذه المفاوضات. وهنا نصل إلى لب الصراع الذي تتجاهله ضرورات المرحلة. المفارقة أن الدستور اللبناني لا يمنع التفاوض؛ فالمادة 52 تمنح رئيس الجمهورية صلاحية "لصيقة" للتفاوض بالاتفاق مع رئيس الحكومة. هذا الغياب لنص مانع يوفّر الغطاء الدستوري للدولة.
لكن هذه الصلاحية تصطدم بجدار من التحريم التشريعي: قانون مقاطعة إسرائيل (1955) يجرم أي اتفاق مع إسرائيل، وقانون العقوبات يجرّم "الاتصال بالعدو"، وقانون منع التطبيع يمنع أي تقارب ثقافي أو اجتماعي. بموجب هذه القوانين، ما تفعله الدولة هو، من حيث المبدأ، فعل مُجرّم. فكيف تتجاوز الدولة هذا التناقض الصارخ؟ تلجأ إلى فقه "الضرورات تبيح المحظورات"، مستندةً إلى سوابق تاريخية كاتفاقية الهدنة (1949)، وتفاهم نيسان (1996)، واتفاق ترسيم الحدود البحرية (2022). في هذه الحالات، صُنّف التفاوض كـ"فعل سيادي" لإدارة حالة الحرب، لا كتطبيع لإنهائها. ويتعزز هذا الموقف بحصانة دستورية: فرئيس الجمهورية لا يُلاحق قضائياً خلال ولايته إلا بتهمة "الخيانة العظمى" (المادة 60)، مما يجعل أي تفاوض يجريه "عملاً سيادياً" بمنأى عن قانون العقوبات.
وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية والقانونية الأعمق، أو ما يمكن تسميته "بإشكالية المعايير المزدوجة": كيف تجلس الدولة مع إسرائيل بينما يُساق مواطن عادي إلى المحكمة العسكرية بتهمة "التعامل مع العدو" لمجرد اتصال هاتفي؟ إنه صراع بين "الشرعية السيادية" و"الشرعية القانونية" التي تجرّم الفعل ذاته على عامة الناس.
المخرج العملي: "السلام البارد" واستراتيجية الدفاع الوطني
إذن، كيف الخروج من هذا المأزق المركب الذي تتشابك فيه الشرعيات والمصالح والانقسامات؟ في هذا المتاهة، يظل السيناريو الأسوأ هو الاستسلام للتطبيع الكامل، وثمنه حرب أهلية. والسيناريو الأرجح هو إدارة الأزمة والمماطلة، وثمنه استنزاف بطيء للدولة. أما المخرج العملي الوحيد، الذي يجمع بين الممكن والمقبول، فهو "السلام البارد": ترتيبات أمنية تنهي حالة الحرب وتضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل دون تطبيع دبلوماسي أو شعبي.
لكن، ما هي "استراتيجية الدفاع الوطني" عملياً؟ إنها ليست مجرد شعار، بل صيغة توافقية قد تقوم على دمج القدرات العسكرية لحزب الله في إطار "حرس وطني" أو "جيش احتياط" يخضع نظرياً لقيادة الجيش مع احتفاظ الحزب بخصوصيته العقائدية. إنها مقايضة الـ"سلاح المنفلت" المرفوض داخلياً وخارجياً بسلاح "مُشرعن" ضمن عقيدة دفاعية واضحة. هذا هو جوهر التسوية الغائب عن الطرح الرسمي حتى الآن، وهو الممر الإلزامي الوحيد الذي قد يرضي حزب الله من جهة، ويلبي المطالب الدولية من جهة أخرى، ويمنع انزلاق لبنان نحو الحرب الأهلية.
وعلى الجانب الآخر من هذه التسوية، يلتزم لبنان بضبط حدودي صارم ونزع سلاح حزب الله تدريجياً ضمن هذه الاستراتيجية المتوافق عليها، مقابل حزمة اقتصادية ضخمة لإعادة الإعمار والإنقاذ المالي، وانسحاب إسرائيلي كامل، وضمانات أمنية دولية.
سيناريو الانهيار: حين تصبح "الدولة الفاشلة" هي البديل
غير أن هذا السيناريو المأمول يظل محفوفًا بمخاطر جسيمة في حال تعثره. ففي حال فشل "السلام البارد"، لا يكون البديل هو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة، بل الانزلاق نحو "الحرب الأهلية الباردة"، حيث تتفكك الدولة إلى كانتونات متناحرة تديرها الميليشيات، وتتحول المساعدات الإنسانية إلى عملة سياسية، ويصبح لبنان "دولة فاشلة" بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، على غرار نماذج شهدها الإقليم. هنا، يصبح "التدمير الكامل" الذي يهدد به نتنياهو ليس مجرد دمار عمراني، بل تفكيكاً نهائياً للكيان اللبناني. وهذا هو بالضبط ما يجعل "الضرورات" الحالية، رغم مرارتها الدستورية، الخيار الوحيد لتفادي المحظور المطلق.
خلاصة: من يوقف "أداة القتل" أولاً؟
في النهاية، يعود بنا المشهد إلى نقطة البداية: نقطة الدم والركام. بين "التطبيع الكامل" الذي يريده نتنياهو و"التدمير الكامل" الذي يلوّح به، يقف لبنان تحت سقف "الضرورة" المثقوب، عاجزاً عن حماية نفسه من مطرقة العدو وسندان ذاته. وحده إجماع وطني حول "استراتيجية الدفاع" يمكن أن يحوّل هذه الضرورة من فخ إلى مخرج. لكن هذا الإجماع، في زمن الانقسام العمودي والفراغ السنّي وتمسك حزب الله بسلاحه، يبقى بعيد المنال. والثمن، كما في كل مرة، يدفعه النازحون تحت الخيام الذين لا ذنب لهم إلا أنهم وُلدوا في وطن تتصارع على جثته "الضرورات" مع "القوانين".
انتهى ،،،



