قال الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر إن قطاع غزة يشهد تشكّل نمط اقتصادي موازٍ فرضته الحرب الإسرائيلية والحصار وانهيار السوق الرسمي، موضحًا أن ما يجري داخل القطاع تجاوز مفهوم “إعادة التدوير” التقليدي إلى ما وصفه بـ”اقتصاد النجاة” القائم على إعادة استخدام مخلفات الدمار لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وأوضح أبو قمر، في تحليل اقتصادي، أن تعطل سلاسل الإمداد واختفاء المواد الخام وتوقف الاستيراد دفع المجتمع الفلسطيني في غزة إلى إنتاج بدائل محلية بدائية، في محاولة للتكيف مع الانهيار الاقتصادي والإنساني المتفاقم منذ بدء الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023.
وأشار إلى أن قاعدة “الندرة تعيد تعريف قيمة الأشياء” باتت تنطبق بوضوح على واقع غزة، حيث تحولت ملايين الأطنان من الركام الناتج عن القصف الإسرائيلي إلى “أصل اقتصادي” قابل للاستخدام والتداول داخل سوق بديل نشأ خارج الأطر الطبيعية للاقتصاد.
وبيّن الباحث الفلسطيني أن الحديد المستخرج من الأبنية المدمرة أصبح مادة خام يعاد استخدامها، فيما دخلت الأخشاب التالفة والبلاستيك المحترق في دورة إنتاج جديدة، نتيجة غياب البدائل وشلل القطاعات الاقتصادية التقليدية.
وأضاف أن الحرب لم تقتصر آثارها على تدمير البنية التحتية، بل أعادت تشكيل “هيكل السوق” نفسه، بعدما انتقل الاقتصاد تدريجيًا من الاعتماد على الاستيراد والخدمات إلى اقتصاد قائم على “الاستخراج من الدمار وإعادة توظيفه”.
ورأى أبو قمر أن هذا النوع من الاقتصادات يظهر عادة في مناطق الحروب الممتدة والدول المعزولة، حيث تتحول المخلفات إلى موارد، وتصبح القدرة على الإصلاح وإعادة الاستخدام أكثر أهمية من القدرة على الإنتاج الصناعي التقليدي.
وأكد أن هذه الظاهرة تحمل بعدين متناقضين، فمن جهة تعكس قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيف والصمود رغم الكارثة، ومن جهة أخرى تكشف حجم الانهيار الاقتصادي العميق، لأن “الاقتصاد الطبيعي لا يُبنى على تفكيك الأنقاض لإعادة إنتاج الحد الأدنى من الحياة”.
وشدد الباحث الاقتصادي على أن غزة لا تعيش اليوم “اقتصاد تدوير” بالمعنى البيئي أو التنموي المعروف، بل تواجه واقعًا اقتصادياً قاسياً يقوم على إدارة البقاء بما تبقى من مدينة مدمرة، في ظل استمرار الحرب والحصار ومنع دخول المواد الأساسية اللازمة لإعادة الإعمار والإنتاج.










