20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

احذروا خديعة بترايوس!!

لا يمكن قراءة عودة الجنرال ديفيد بترايوس الى المشهد العراقي بوصفها زيارة بروتوكولية عابرة. فالرجل يعد أحد أبرز العقول التي أدارت الحرب الأمريكية في العراق.

بقلم: سعيد البدري
٢١ مايو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
13 مشاهدة
رئيس مجلس النواب العراقي خلال لقائه بترايوس في بغداد، 16 مايو 2026 (إكس)

رئيس مجلس النواب العراقي خلال لقائه بترايوس في بغداد، 16 مايو 2026 (إكس)

منذ سقوط نظام البعث عام 2003، لم تتعامل الولايات المتحدة مع العراق بوصفه دولة ذات سيادة، بل باعتباره ساحة مفتوحة لاعادة تشكيل المنطقة وفق متطلبات المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي، وما تغير خلال السنوات الاخيرة ليس جوهر هذا المشروع، بل أدواته وأساليبه؛ إذ انتقلت واشنطن من الاحتلال العسكري المباشر إلى إدارة النفوذ عبر الاختراق السياسي والامني وإعادة هندسة المؤسسات تحت عناوين تبدو إصلاحية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها أهدافا استراتيجية تتجاوز العراق نفسه.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة عودة الجنرال ديفيد بترايوس الى المشهد العراقي بوصفها زيارة بروتوكولية عابرة. فالرجل يعد أحد أبرز العقول التي أدارت الحرب الأمريكية في العراق، وأسهمت في صياغة سياسات التفكيك وإعادة بناء المنظومة الأمنية بما يضمن بقاء القرار العراقي مرتبطا بالإرادة الأمريكية. لذلك، فإن حضوره اليوم، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن استحداث ما يسمى بـ"وزارة الأمن الاتحادي"، يثير الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة المرحلة المقبلة والجهات التي تدفع باتجاه هذا المسار.

ان خطورة هذا المشروع لا تكمن في شكله الاداري فحسب، بل في فلسفته العميقة، فجمع المؤسسات الأمنية والعقائدية التي تشكلت لحماية العراق، وفي مقدمتها الحشد الشعبي، داخل بنية مركزية جديدة، قد يتحول الى بوابة لاعادة صياغة العقيدة الامنية للدولة العراقية وفق رؤية تتقاطع مع المصالح الأمريكية، وتعمل تدريجيا على تفريغ القوى الوطنية والعقائدية من دورها التاريخي والرسالي.

ومن منظور شيعي، فان المسألة لا ترتبط بمجرد ترتيبات امنية او خلافات سياسية عابرة، بل تتصل مباشرة بموقع العراق في معادلة الصراع الاقليمي والدولي. فالقوى التي وقفت بوجه الارهاب التكفيري وقدمت الاف الشهداء دفاعا عن بغداد والنجف وكربلاء، تدرك ان المشروع الامريكي لم يكن يوما بعيدا عن محاولات كسر ارادة المكون الشيعي المقاوم، واضعاف البيئة التي شكلت العمق الشعبي والسياسي لخط المقاومة في المنطقة.

كما ان تمدد النفوذ الاسرائيلي في المنطقة، عبر بوابات التطبيع والاختراق الامني والسياسي، يجعل من العراق هدفا استراتيجيا بالغ الاهمية. فاخضاع القرار الامني العراقي لمنظومة مرتبطة بالمصالح الامريكية يعني عمليا فتح الطريق امام بيئة اكثر قابلية للتماهي مع المشروع الاسرائيلي، سواء عبر تجريد العراق من عناصر قوته العقائدية، او عبر تحييد القوى الرافضة للهيمنة الخارجية، او من خلال صناعة طبقة سياسية وامنية اكثر التصاقا بالرؤية الغربية.

الولايات المتحدة تدرك جيدا ان المواجهة المباشرة مع قوى المقاومة لم تعد سهلة كما كانت في السابق، ولذلك انتقلت الى ما يمكن وصفه بـ"الانقلاب الناعم"؛ اي اعادة تشكيل بنية الدولة من الداخل، وتبديل المفاهيم والعقائد والاولويات، وصولا الى انتاج نظام سياسي وامني يدور بالكامل ضمن الفلك الامريكي، حتى وان بدا شكليا عراقيا ومستقلا.
ومن هنا، فان اخطر ما في هذه المرحلة هو محاولة تمرير هذه التحولات تحت عناوين من قبيل "الاصلاح"، و"حصر السلاح"، و"بناء الدولة"، بينما يجري في العمق اعادة تعريف الدولة نفسها، واعادة رسم هويتها الامنية والسياسية بما يخدم مشروع الهيمنة طويل الامد.

إن العراق الذي أفشل مشاريع الاحتلال والإرهاب بدماء أبنائه، لا يواجه اليوم تحديا عسكريا تقليديا فحسب، بل يواجه معركة وعي وسيادة وهوية، ولذلك فإن التعامل مع هذه التحركات بخفة أو تسطيح، قد يفتح الباب أمام مرحلة تنتزع فيها قرارات العراق المصيرية بهدوء، ومن داخل مؤسساته ذاتها، لا عبر الغزو المباشر. 

ولهذا، فان التحذير من هذه المؤشرات ليس خطابا انفعاليا، بل قراءة تستند إلى تجربة مريرة عاشها العراقيون طوال العقود الماضية. فالمشاريع الكبرى تبدأ دائما بشعارات براقة، ثم تنتهي بتحولات عميقة تمس العقيدة والسيادة والقرار الوطني.

وربما لم تكتمل ملامح هذا المسار بعد، لكن المؤكد ان العراق يقف اليوم امام محاولة جديدة لاعادة تشكيله سياسيا وامنيا بما يتلاءم مع خرائط النفوذ الامريكي والاسرائيلي في المنطقة.

فاحذروا مقدمات التحرك الصهيو -أمريكي ،لأن أخطر ما يفعله بترايوس ليس ما يقوله علنا، بل ما يزرعه بصمت داخل بنية الدولة، وما يتركه خلف الأبواب المغلقة من خرائط ومشاريع وتحالفات. فالاحتلال حين يفشل بالدبابة... يعود ببدلة رسمية، وبابتسامة دبلوماسية، وبمشروع يبدو عراقيا في ظاهره، فيما تخفي تفاصيله اخر فصول الهيمنة على القرار  الوطني العراقي.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سعيد البدري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير