20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ما بعد الخط الأصفر.. توغل إسرائيلي في لبنان يختبر حدود الحرب المفتوحة

كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية، في مقدمتها القناة 12، عن بدء جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ عملية برية داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة وُصفت بأنها تتجاوز ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”

بقلم: محمد أبو غالي
٢٦ مايو ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
21 مشاهدة
ما بعد الخط الأصفر.. توغل إسرائيلي في لبنان يختبر حدود الحرب المفتوحة

ما بعد الخط الأصفر.. توغل إسرائيلي في لبنان يختبر حدود الحرب المفتوحة

كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية، في مقدمتها القناة 12، عن بدء جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ عملية برية داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة وُصفت بأنها تتجاوز ما يُعرف بـ الخط الأصفر، وهو توصيف عسكري يُستخدم للإشارة إلى نطاقات حساسة قريبة من خط الفصل الحدودي. ووفقًا لهذه التقارير، فإن التحركات الميدانية جاءت محدودة من حيث النطاق، لكنها تحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز حجمها الفعلي.

ويعكس هذا التطور انتقالًا نوعيًا في طبيعة الاشتباك القائم، حيث لم يعد محصورًا في القصف المتبادل أو العمليات الجوية، بل بدأ يأخذ شكل الاحتكاك البري المباشر، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل تاريخ طويل من التصعيد المتدرج الذي غالبًا ما ينزلق إلى مواجهات أوسع.

قصف متزامن

بحسب الرواية الإسرائيلية، ترافقت العملية البرية مع غارات جوية مكثفة وقصف مدفعي استهدف مواقع يُعتقد أنها تابعة لـحزب الله في جنوب لبنان ومنطقة البقاع الغربي، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد يسبق أي رد محتمل من جانب الحزب.

هذا التزامن بين الجو والأرض يعكس عقيدة عسكرية قائمة على الضغط متعدد الاتجاهات، تهدف إلى إرباك الخصم وتقليص قدرته على الرد المنظم، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن قلق إسرائيلي متزايد من تعاظم قدرات حزب الله، خاصة بعد أشهر من المواجهات المستمرة على الحدود.

غموض العملية

ورغم خطورة ما تم تداوله، لم تصدر حتى الآن تفاصيل رسمية كاملة حول حجم العملية أو أهدافها الدقيقة، ما يترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات، بين من يراها اختبارًا محدودًا لقواعد الاشتباك، ومن يعتبرها تمهيدًا لمرحلة أوسع من التصعيد.

هذا الغموض قد لا يكون عرضيًا، بل جزءًا من استراتيجية مدروسة تهدف إلى إبقاء الخصم في حالة ترقب دائم، دون منحه صورة واضحة عن النوايا الحقيقية، وهو تكتيك يُستخدم غالبًا في المراحل الأولى من العمليات العسكرية المعقدة.

يُستخدم مصطلح “الخط الأصفر” في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية للإشارة إلى نطاقات ميدانية حساسة قريبة من “الخط الأزرق”، وهو خط الفصل بين لبنان وإسرائيل، والذي تشرف عليه قوات الأمم المتحدة من خلال قوة “اليونيفيل”.

وتحمل الإشارة إلى تجاوز هذا الخط بعدًا رمزيًا واستراتيجيًا، إذ تعني عمليًا كسر أحد القيود غير المعلنة التي حكمت الاشتباك خلال السنوات الماضية، وهو ما قد يعيد صياغة قواعد اللعبة بالكامل، ويدفع الأطراف إلى إعادة حساباتها العسكرية والسياسية.

إنذارات وإخلاء

جاءت هذه التطورات عقب تحذيرات إسرائيلية لسكان عدد من البلدات اللبنانية، من بينها سحمر ومشغرة في البقاع الغربي، حيث دعا جيش الاحتلال المدنيين إلى إخلاء بعض المناطق بدعوى وجود بنى عسكرية أو نشاطات مرتبطة بحزب الله.

وتثير هذه التحذيرات مخاوف حقيقية من توسيع نطاق العمليات العسكرية إلى ما هو أبعد من الشريط الحدودي التقليدي، خاصة أن مثل هذه الإنذارات غالبًا ما تسبق عمليات أوسع، كما حدث في تجارب سابقة داخل لبنان وقطاع غزة، حيث تحولت “الإخلاءات الوقائية” إلى مقدمة لعمليات تدمير واسعة.

في المقابل، لم يصدر تعليق رسمي فوري من الحكومة اللبنانية، إلا أن مصادر أمنية تحدثت، وفق وسائل إعلام محلية، عن “تحركات ميدانية خطيرة” وتكثيف لحالة الاستنفار على طول الحدود الجنوبية، في مؤشر على إدراك بيروت لحساسية المرحلة.

كما أفادت تقارير بوقوع اشتباكات متقطعة وقصف متبادل في عدد من المحاور الحدودية، ما يعكس أن الوضع الميداني لم يعد قابلًا للاحتواء بسهولة، وأن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انفجار أوسع يصعب السيطرة عليه.

مخاطر التصعيد

يرى مراقبون أن الحديث عن عملية برية، حتى وإن كانت محدودة، يمثل تحولًا لافتًا في مسار المواجهة المستمرة منذ أشهر، خاصة في ظل التحذيرات الدولية المتكررة من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة متعددة الجبهات.

وتزداد هذه المخاوف في ضوء التجارب السابقة، حيث أظهرت أن التصعيد التدريجي غالبًا ما يتحول إلى مواجهة مفتوحة، لا سيما في بيئة إقليمية متشابكة المصالح، تتداخل فيها حسابات أمريكا وقوى أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر.

في هذا السياق، دعت عدة عواصم غربية، من بينها أمريكا وفرنسا، إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، مشددة على أهمية الحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان، وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، الذي أنهى حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله.

غير أن هذه الدعوات تبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى بيانات دبلوماسية تقليدية، لا تملك أدوات فعلية لفرض التهدئة، خاصة في ظل استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدية هذه المواقف وقدرتها على التأثير الحقيقي في مسار الأحداث.

مواجهة مفتوحة

في ظل غياب بيانات رسمية تفصيلية من الجانبين، تبقى التطورات الميدانية مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصًا مع استمرار الغارات والتهديدات المتبادلة، ما يعزز من احتمالات توسع رقعة المواجهة العسكرية في المنطقة.

ويضع هذا المشهد المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي، حيث لم يعد السؤال ما إذا كانت المواجهة ستتسع، بل متى وكيف، في ظل تآكل الخطوط الحمراء التقليدية، وتزايد المؤشرات على أن ما يجري قد يكون مقدمة لمرحلة أكثر خطورة في تاريخ الصراع.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال