محمد خميس
في تصريح عاجل يعكس تصاعد التوتر بين حزب الله من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، قال مسؤول بارز في الحزب، اليوم السبت، إن الحزب “لن يسلم سلاحه” تحت أي ضغط، معتبراً أن هذا السلاح يمثل “قوة للبنان وسيادته الوطنية”، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى نزع سلاح الحزب كشرط أساسي لتجديد اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.
وأكد المسؤول في تصريحاته التي نقلتها وسائل إعلام محلية أن “إسرائيل تعتدي على الأراضي اللبنانية يومياً، وتخرق السيادة براً وبحراً وجواً، بينما تلتزم المقاومة بالقرار الدولي 1701 التزاماً كاملاً، رغم الرعاية الأمريكية والفرنسية التي فشلت في إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود الاتفاق”.
رفض الضغوط الدولية
جاءت تصريحات المسؤول في حزب الله في وقت تشهد فيه بيروت ضغوطاً متزايدة من العواصم الأوروبية وواشنطن، لإقناع الحكومة اللبنانية بإطلاق حوار حول مستقبل سلاح الحزب، خصوصاً بعد انتهاء صلاحية اتفاق التهدئة الحدودي بين لبنان وإسرائيل في فبراير/شباط الماضي.
وقال المصدر إن “الضغوط الأوروبية والأمريكية لن تؤثر على موقفنا، لأننا لا نفاوض على أمن لبنان ولا على كرامته”، مشدداً على أن “المقاومة ملتزمة بالدفاع عن الأرض والسيادة الوطنية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة”.
وأضاف أن “الحديث عن نزع السلاح هو مطلب إسرائيلي بغطاء أمريكي، ولن نقبل بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عازلة تُدار بإرادة العدو أو الأمم المتحدة، فهذه مسألة تتعلق بوجودنا وحقنا في الدفاع عن أنفسنا”.
القرار 1701 في صلب الجدل
ويعود القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006 إلى الواجهة مجدداً، بعد أن أصبح محور الجدل بين إسرائيل ولبنان حول التزامات كل طرف ببنوده.
فبينما تؤكد الحكومة اللبنانية وحزب الله أنهما ملتزمان بتنفيذ القرار الذي نص على وقف الأعمال القتالية، ووقف انتهاكات الخط الأزرق، تتهم تل أبيب الحزب بخرق الاتفاق عبر بناء قدرات عسكرية جديدة في الجنوب، وتُصرّ على ضرورة نزع سلاحه جنوب نهر الليطاني.
ويرى محللون أن تصريحات الحزب تأتي كرد مباشر على الضغوط الأمريكية الجديدة التي نقلها المبعوث الأمريكي توم باراك إلى بيروت مؤخراً، والتي تضمنت شروطاً صارمة أبرزها نزع سلاح الحزب وإعادة انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية بالكامل، وهو ما تعتبره بيروت انتهاكاً لسيادتها.
توتر متصاعد على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية
تزامنت تصريحات المسؤول في حزب الله مع تصاعد التوترات الميدانية على الحدود الجنوبية، حيث كثّف الجيش الإسرائيلي من طلعاته الجوية فوق قرى الجنوب، في حين تحدثت تقارير ميدانية عن استنفار أمني واسع للحزب في مناطق مرجعيون وبنت جبيل والنبطية.
وأكد شهود عيان أن التحليق الإسرائيلي مستمر منذ ساعات الصباح الباكر، فيما أعلن الجيش اللبناني أن قواته رصدت “خروقات متكررة للسيادة اللبنانية”، وأحالتها إلى قيادة قوات “اليونيفيل” العاملة في الجنوب.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات الميدانية تشير إلى أن مرحلة ما بعد انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار دخلت مرحلة حرجة قد تشهد خلالها المنطقة الحدودية تصعيداً تدريجياً إذا لم يتم التوصل إلى صيغة تفاهم جديدة.
موقف الحكومة اللبنانية
من جانبها، أكدت مصادر حكومية لبنانية لـ"إرم نيوز" أن بيروت متمسكة بقرار مجلس الأمن 1701 كمرجعية وحيدة لضمان الاستقرار في الجنوب، لكنها ترفض “أي محاولة لتفسير القرار بما يخدم المصالح الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية”.
وقالت المصادر إن الحكومة اللبنانية تتعامل مع الملف بحذر شديد، إذ تسعى لتفادي أي مواجهة مفتوحة، لكنها في الوقت ذاته “لا تستطيع القبول بمطالب تنتهك الدستور أو تفرض وقائع ميدانية جديدة بضغط دولي”.
كما أشارت إلى أن الضغوط الغربية تتزايد في ظل الخشية من توسّع دائرة التوتر في ظل استمرار الحرب في غزة، وهو ما يجعل الساحة اللبنانية جزءاً من الحسابات الإقليمية المتشابكة.
حزب الله: السلاح ضمانة ضد العدوان
بحسب رؤية الحزب، فإن سلاح المقاومة ليس موضوعاً تفاوضياً بل “عنصر توازن” في مواجهة ما يصفه بـ"الخطر الإسرائيلي الدائم".
وقال المسؤول الحزبي: “السلاح الذي نحمله هو من أجل لبنان، لا من أجل أي طرف آخر. نحن نعتبره قوة للوطن، وبدونه لكانت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لا تتوقف يوماً واحداً”.
وأضاف أن “الذين يطالبون بنزع سلاحنا يتجاهلون أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية وصاروخية ضخمة، وأنها لم تلتزم يوماً بأي اتفاق أو قرار دولي”.
وتابع قائلاً: “لن نتأثر بالعقوبات أو الحملات السياسية، وسنواصل التزامنا بحماية الجنوب اللبناني وبمنع العدو من فرض أمر واقع جديد”.
ردود فعل سياسية داخلية
أثارت تصريحات حزب الله ردود فعل متفاوتة داخل الساحة اللبنانية.
فقد رحّبت بعض القوى المؤيدة للمقاومة بالموقف، معتبرة أنه “رسالة سيادية” في وجه الضغوط الخارجية، فيما حذّرت أطراف أخرى من أن الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح قد يعرّض لبنان لعقوبات جديدة ويُفاقم أزماته الاقتصادية والسياسية.
ورأى مراقبون أن لبنان يعيش مجدداً بين خيارين متناقضين: الدفاع عن سيادته بمفهوم المقاومة، أو الحفاظ على استقراره الاقتصادي عبر الانفتاح على المبادرات الدولية، وهي معادلة شائكة تُثقل كاهل الدولة في ظل الانقسام الداخلي الحاد.
مستقبل التهدئة.. ضبابية في الأفق
مع غياب أي بوادر لحلّ قريب، يرى محللون أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد السياسي والإعلامي بين الحزب وواشنطن، وربما لمواجهات ميدانية محدودة على الحدود الجنوبية، خصوصاً مع تزايد التوغلات الإسرائيلية واستمرار الخروقات الجوية.
ويحذر خبراء أمنيون من أن “أي حادث ميداني بسيط قد يشعل جبهة الشمال”، في وقت لا تزال فيه المنطقة مشتعلة من غزة إلى البحر الأحمر.
ويخلص المراقبون إلى أن تصريحات حزب الله الأخيرة ليست مجرد ردّ على مطالب نزع السلاح، بل تأكيد على أن الحزب يستعد لمرحلة جديدة من المواجهة السياسية وربما العسكرية، إذا استمر الضغط الدولي على بيروت.









