20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل تورطت أمازون في دعم آلة الحرب الإسرائيلية على غزة؟

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
41 مشاهدة
هل تورطت أمازون في دعم آلة الحرب الإسرائيلية على غزة؟

محمد خميس

في كشفٍ مثير للجدل، نشر موقع "إنترسبت" (The Intercept) الأميركي تقريرًا استقصائيًا مدعومًا بوثائق داخلية، يُظهر أن شركة أمازون العملاقة في مجال التكنولوجيا والحوسبة السحابية، قدّمت خدمات تقنية متقدمة لعدد من شركات الأسلحة الإسرائيلية والهيئات الحكومية والعسكرية، التي استخدمت هذه الخدمات خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة.

ويُظهر التحقيق أن العلاقة بين أمازون وإسرائيل تتجاوز حدود التعاون التجاري أو التقني التقليدي، إذ تشمل جهودًا منسقة للتأثير على الجهات التنظيمية الإسرائيلية، بهدف السماح للشركة بمعالجة بيانات "سرية" تخص الجيش وأجهزة الاستخبارات، في انتهاك محتمل للقوانين الدولية المتعلقة بالمشاركة غير المباشرة في النزاعات المسلحة.

ضغوط خفية للتعامل مع بيانات سرية

وفقًا للوثائق التي حصل عليها "إنترسبت"، مارست أمازون ضغوطًا هادئة على السلطات الإسرائيلية لإقناعها بالسماح لها بمعالجة معلومات مصنفة تخص وزارة الدفاع وجهاز المخابرات العسكرية. وتشير إحدى الوثائق إلى أن الشركة بدأت بالفعل العمل مع مؤسسة حكومية كبيرة – لم يُكشف عن اسمها – لنقل بعض المواد السرية إلى خدمتها السحابية.

ويبدو أن هذا التعاون بدأ رغم تردد الجهات العسكرية الإسرائيلية في البداية في نقل بياناتها الحساسة إلى خوادم خاصة بشركة أميركية، إلا أن أمازون تمكنت، عبر اتصالات مباشرة مع المنظمين الحكوميين الإسرائيليين، من تغيير الموقف الرسمي لصالحها.

ويقول التقرير إن هذه الخطوات تُظهر رغبة أمازون في توسيع نفوذها داخل البنية التحتية الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول الشركة إلى فاعل مباشر في منظومة الحرب الإلكترونية والاستخباراتية الإسرائيلية.

شركات الأسلحة الإسرائيلية من بين الزبائن الرئيسيين

بحسب الوثائق المالية التي استعرضها موقع "إنترسبت"، فإن وزارة الدفاع الإسرائيلية وعددًا من الشركات المملوكة للدولة مثل "هيئة الصناعات الجوية الإسرائيلية" و**"رافائيل"** من بين أبرز المستفيدين من خدمات Amazon Web Services (AWS)، التي تشمل التخزين السحابي، والأمن السيبراني، وأدوات الذكاء الاصطناعي، وخدمة "أمازون ريكوغنيشن" للتعرف على الوجوه.

وتُعدّ هذه التقنية الأخيرة مثار جدل واسع في الولايات المتحدة نفسها، إذ واجهت انتقادات بسبب ضعف دقتها مع النساء والأشخاص ذوي البشرة الملونة، ما دفع أمازون عام 2020 إلى تعليق استخدامها من قِبل الشرطة الأميركية مؤقتًا.

لكن المفارقة أن الجيش الإسرائيلي استخدم ذات التقنية في الأراضي الفلسطينية، وفقًا للتقرير، حيث يُرجح أن وحدة الاستخبارات الجغرافية المعروفة باسم وحدة 9900 قد استعانت بخدمات أمازون لاختبار نماذج لغوية ضخمة (LLMs) وتحليل صور الأقمار الصناعية في تخطيط الضربات الجوية على غزة.

مركز نووي إسرائيلي ضمن عملاء أمازون

ومن بين الزبائن الإسرائيليين الذين حصلوا على خدمات الحوسبة السحابية من أمازون، مركز سوريك للأبحاث النووية، وهو منشأة حكومية تعمل في إطار برنامج الطاقة الذرية الإسرائيلي الذي بُني في الخمسينيات بالتعاون مع الولايات المتحدة.

ورغم أن إسرائيل لا تعترف رسميًا بامتلاكها أسلحة نووية، إلا أن تقريرًا لوزارة الحرب الأميركية عام 1987 أشار إلى أن مركز سوريك يضم القدرات اللازمة لتصميم وتصنيع الأسلحة النووية. كما ذكر معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) أن المركز يقع ضمن منطقة أمنية تشترك مع قاعدة جوية تُستخدم لتجميع الصواريخ واختبارها.

ويقول "إنترسبت" إن تعاون أمازون مع هذه المنشأة الحساسة يثير تساؤلات خطيرة حول مدى التزام الشركة بالقوانين الأميركية والدولية التي تحظر التعامل التكنولوجي مع البرامج النووية غير المعلنة.

خدمات أمازون تمتد إلى الضفة الغربية

لم يتوقف التعاون عند المؤسسات العسكرية داخل إسرائيل فقط؛ إذ كشفت إحدى الوثائق أن مكاتب حكومية إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة تستخدم خدمات أمازون السحابية أيضًا، ما يطرح إشكالات قانونية كبيرة تتعلق بشرعية التعامل مع مؤسسات إسرائيلية تعمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويقول الموقع إن هذا الاستخدام قد يضع الشركة في مواجهة اتهامات دولية بانتهاك القانون الدولي الإنساني، إذ يُنظر إلى الأنشطة الاقتصادية في المستوطنات على أنها دعم مباشر للاحتلال.

خبراء: مسؤولية قانونية وأخلاقية على أمازون

وفي تعليقٍ على التقرير، قال البروفيسور إيوانيس كالبوزوس من كلية الحقوق في جامعة هارفارد، إن علاقة أمازون بشركات الأسلحة الإسرائيلية قد تضعها تحت طائلة المساءلة القانونية الدولية، إذا ثبت أن خدماتها التقنية ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في غزة.

وأضاف كالبوزوس: “المسؤولية القانونية لا تتطلب وجود نية إبادة، بل يكفي أن يكون من المتوقع أن يؤدي الدعم المقدم إلى ارتكاب الجرائم”.

كما نقل الموقع عن مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية، يُدعى براينت، قوله إن “ادعاء أمازون عدم معرفتها بكيفية استخدام تقنياتها غير مقنع، لأن طبيعة الجهات التي تتعامل معها واضحة، فهي شركات تصنع الأسلحة وتدير عمليات عسكرية، ولا يمكن للشركة الادعاء بأنها بريئة من التواطؤ في القتل حتى لو لم تعرف كل التفاصيل”.

شركات التكنولوجيا تحت المجهر

يعيد تقرير "إنترسبت" فتح النقاش الدولي حول المسؤولية الأخلاقية لشركات التكنولوجيا الكبرى، مثل أمازون، غوغل، ومايكروسوفت، التي تقدم خدماتها للحكومات والجيوش المتورطة في نزاعات مسلحة.

ويشير التقرير إلى أن هذه الشركات تستخدم خطاب “الحياد التقني” لتبرير تعاملاتها، بينما تُساهم فعليًا في دعم أنظمة المراقبة، والتجسس، والقتل عن بُعد من خلال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

ويحذر باحثون من أن هذا النمط من التعاون يُكرّس نموذجًا جديدًا من الخصخصة العسكرية، حيث تتحول الشركات التكنولوجية العملاقة إلى شركاء فعليين في الحروب، دون أن تتحمل أي تبعات قانونية أو سياسية.

تكنولوجيا في خدمة الحرب

في ضوء ما كشفته الوثائق، يبرز تساؤل محوري: هل أصبحت أمازون شريكًا في آلة الحرب الإسرائيلية على غزة؟
فالمعطيات تشير إلى أن الشركة تجاوزت دورها كتزويد تقني محايد، لتصبح جزءًا من البنية الرقمية التي تدعم التخطيط العسكري الإسرائيلي، بما في ذلك تحليل الصور الجوية وتخزين البيانات الاستخباراتية الحساسة.

ويؤكد تقرير "إنترسبت" أن هذا التعاون يُلقي الضوء على الوجه المظلم للتكنولوجيا الحديثة، حين تتحول من أداة للتقدم إلى وسيلة لإدارة الحروب وتوسيع الهيمنة العسكرية.

وفي الوقت الذي تواصل فيه أمازون الترويج لصورتها كقوة دافعة نحو “التحول الرقمي العالمي”، يبدو أن التحول الحقيقي يجري في ميدان آخر: ميدان الحرب، حيث تتقاطع مصالح الشركات العملاقة مع حسابات السياسة والدم.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال