20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

جريمة دستورية يرتكبها الرئيس! إعلان عباس يتجاوز القانون الأساسي ويعيد تشكيل السلطة بمرسوم فردي!

بقلم: ساري سعد
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
58 مشاهدة
جريمة دستورية يرتكبها الرئيس! إعلان عباس يتجاوز القانون الأساسي ويعيد تشكيل السلطة بمرسوم فردي!

إعداد: المستشار ساري سعد
الاختصاص: القانون الدستوري

حول الإعلان الدستوري الصادر عن الرئيس محمود عباس بشأن شغور منصب رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية

مقدمة:
في خطوةٍ مثيرة للجدل، أصدر الرئيس محمود عباس ما أسماه إعلانًا دستوريًا، يقضي بأنه في حال شغور مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي غياب المجلس التشريعي، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مهام الرئاسة مؤقتًا لمدة لا تتجاوز (90) يومًا، تُجرى خلالها انتخابات عامة، مع إمكانية التمديد بقرار من المجلس المركزي مرة واحدة فقط.

ورغم أن ظاهر القرار يوحي بتنظيم حالة استثنائية، إلا أن مضمونه يُشكّل انتهاكًا خطيرًا لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001 وتعديلاته، ويُعد تعديًا صارخًا على مبدأ المشروعية الدستورية والفصل بين السلطات.

أولًا: الإطار القانوني الناظم لشغور منصب الرئيس
استنادًا إلى القانون الأساسي الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001 وتعديلاته لعام 2003، نصت المادة (37) بوضوح على آلية التعامل مع حالة شغور منصب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وجاءت على النحو الآتي:

المادة (37):

1. يُعدّ مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية شاغراً في أيٍّ من الحالات الآتية: الوفاة، الاستقالة المقبولة من المجلس التشريعي، أو فقدان الأهلية القانونية وفق قرار يصدر عن المجلس التشريعي بغالبية ثلثي أعضائه.
2. في حالة شغور المنصب لأيٍّ من الأسباب المذكورة، يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام الرئاسة مؤقتًا لمدة لا تزيد على ستين يومًا، تجرى خلالها انتخابات حرة ومباشرة لاختيار رئيس جديد وفقًا لقانون الانتخابات الفلسطيني.

هذا النص يشكل القاعدة الدستورية الملزمة والوحيدة لتنظيم مرحلة انتقال السلطة في حال خلوّ منصب الرئيس.

ثانيًا: التقييم القانوني والدستوري للإعلان

1. تعارض صريح مع نصوص القانون الأساسي
  الإعلان المعدل يُغيّر الجهة التي تتولى الرئاسة مؤقتًا من رئيس المجلس التشريعي إلى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو تعديل جوهري في أحكام دستورية لا يجوز أن يصدر بقرار منفرد من الرئيس.
  فوفق مبدأ المشروعية الدستورية، لا يجوز تعديل أو تعطيل نص في القانون الأساسي إلا عبر المجلس التشريعي الفلسطيني وبالأغلبية الخاصة المنصوص عليها فيه.

2. تجاوز مبدأ الفصل بين السلطات
  الرئيس لا يمتلك سلطة إصدار "إعلان دستوري" يغيّر أحكام القانون الأساسي، إذ أن السلطة التنفيذية ملزمة بتطبيق النصوص القائمة لا بتعديلها.
  وحتى في غياب المجلس التشريعي، فإن صلاحية إصدار المراسيم بقوانين وفق المادة (43) من القانون الأساسي لا تمتد إلى المجال الدستوري ولا تشمل إعادة توزيع السلطات أو تعديل آليات انتقالها.

3. دمج غير دستوري بين مؤسسات مختلفة الطبيعة
  السلطة الوطنية الفلسطينية كيان حكم ذاتي مؤقت، بينما منظمة التحرير الفلسطينية كيان سياسي تمثيلي للشعب الفلسطيني.
  الإعلان يخلط بين النظامين ويجعل منصبًا في المنظمة (نائب رئيس اللجنة التنفيذية) مصدرًا للسلطة التنفيذية في كيان آخر (السلطة الوطنية)، ما يمثل انتهاكًا للمنطق الدستوري الذي يفترض استقلال كل إطار مؤسسي.

4. تعديل غير مشروع في المدة الزمنية
  رفع مدة التولي المؤقت من 60 إلى 90 يومًا، وإضافة إمكانية التمديد، يعد تعديلًا دستوريًا صريحًا لمادة أساسية في القانون، وهو ما لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، لأن المدة ترتبط مباشرة بمبدأ تداول السلطة ومنع التمديد غير المشروع.

ثالثًا: من حيث المبدأ الدستوري العام
الإعلان الصادر عن الرئيس محمود عباس يمثل خرقًا لمبدأ المشروعية الدستورية، ويتجاوز الإطار القانوني الذي رسمه القانون الأساسي وهو من زاوية القانون الدستوري، باطل من حيث الشكل والمضمون، كونه:

1. صادر عن جهة غير مختصة.
2. متعارض مع نصوص دستورية نافذة.
3. يتضمن تعديلات جوهرية دون المرور بالإجراءات الدستورية الواجبة.
4. ويؤسس لخلط في المرجعية القانونية بين السلطة والمنظمة.

رابعًا: من زاوية الواقعية السياسية
رغم عدم مشروعية الإعلان، يمكن فهمه كخطوة سياسية وقائية تهدف لملء فراغ محتمل في موقع الرئاسة، في ظل غياب المجلس التشريعي وحالة الانقسام المؤسساتي.
لكن هذا التبرير لا يضفي عليه الشرعية القانونية، بل يعكس أزمة بنيوية في النظام السياسي الفلسطيني ناجمة عن غياب المؤسسات المنتخبة، وتعطيل المسار الدستوري منذ سنوات.

خامسًا: الخلاصة والرأي القانوني النهائي
الرأي الدستوري:

1. الإعلان الصادر عن الرئيس محمود عباس يُعد باطلًا من الناحية الدستورية ومخالفًا للمادة (37) من القانون الأساسي الفلسطيني.
2. لا يملك الرئيس صلاحية تعديل آليات انتقال السلطة أو منح صلاحيات جديدة لمناصب غير واردة في الدستور.
3. كما أن الاستناد إلى غياب المجلس التشريعي لا يُجيز تجاوز أحكام القانون الأساسي، إذ أن مبدأ المشروعية يسمو على كل ظرف سياسي.

وبناءً عليه، فإن المرجع الدستوري الوحيد في حالة شغور منصب الرئيس يبقى هو رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، وفقًا لما نص عليه القانون الأساسي، حتى يتم انتخاب رئيس جديد عبر انتخابات حرة ومباشرة.

الخاتمة:
إنّ الإعلان الصادر عن الرئيس محمود عباس يُشكّل انتهاكًا صريحًا وواضحًا للقانون الأساسي الفلسطيني، ويمثل تعدّيًا على أحكام الدستور ومبدأ المشروعية، فضلًا عن كونه حنثًا باليمين الدستورية التي أوجبت احترام القانون وصونه.
وبذلك، فإن ما أقدم عليه الرئيس لا يندرج ضمن صلاحياته الدستورية، بل يُعدّ جريمة دستورية مكتملة الأركان تستوجب المساءلة والمحاسبة السياسية والقانونية.

ومن أقسم على حماية الدستور، لا يجوز أن يكون أول من ينتهكه.

ساري سعد

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال