في خطوة لافتة تعكس تغيرًا محتملًا في المزاج السياسي الصيني تجاه واشنطن، أعلنت وزارة الدفاع الصينية، اليوم الخميس، أن بكين منفتحة على تطوير العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على رغبة الطرفين في كبح التصعيد بين القوتين الأعظم في العالم.
تأتي التصريحات الصينية بعد أشهر من التوتر المتصاعد في ملفات تايوان وبحر الصين الجنوبي والحرب التكنولوجية، حيث أكدت الوزارة أن الصين "تتعامل مع العلاقات العسكرية بين البلدين على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة"، مضيفة أن "استئناف الحوار الدفاعي مع واشنطن يخدم الاستقرار الإقليمي والعالمي".
رسائل الانفتاح.. ضبط الإيقاع مع واشنطن
يرى مراقبون أن تصريحات وزارة الدفاع الصينية تمثل محاولة لإعادة ضبط الإيقاع في العلاقات الثنائية، بعد أن ظلت القنوات العسكرية بين البلدين شبه مجمدة منذ عام 2022، حين قطعت بكين التواصل احتجاجًا على زيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان.
ومنذ ذلك الحين، تراكمت الخلافات حول قضايا بحر الصين الجنوبي، والتجارة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي العسكري، إلى جانب تصاعد الاتهامات الأمريكية لبكين بدعم روسيا في حرب أوكرانيا بوسائل غير مباشرة.
لكن مؤخرًا، بدا أن هناك اتجاهًا متبادلًا نحو التهدئة، خصوصًا بعد لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى بين الجانبين خلال الأشهر الماضية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى منع أي سوء تقدير عسكري في آسيا، بينما ترغب الصين في تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات التكنولوجية المفروضة عليها.
الإشارات العسكرية.. مناورات محسوبة
بحسب محللين صينيين، فإن إشارات الانفتاح العسكري لا تعني بالضرورة تنازلاً من بكين، بل هي مناورة محسوبة تهدف إلى كسب الوقت وإظهار المسؤولية الدولية، في ظل سعي الصين لتقديم نفسها كقوة تدعو للاستقرار لا للمواجهة.
وقال الخبير الصيني في الشؤون الدفاعية "وو تشيانغ" لصحيفة "غلوبال تايمز":
"إن الانفتاح على واشنطن لا يعني التنازل عن المصالح الوطنية، بل هو وسيلة لتقليل المخاطر في المناطق الحساسة مثل مضيق تايوان".
ويرى الخبراء أن أي لقاء عسكري مرتقب بين البلدين سيكون محاطًا بالحذر، ولن يتجاوز في البداية الطابع الاستكشافي أو التنسيقي، مثل إعادة خطوط الاتصال الساخنة بين وزارتي الدفاع أو مناقشة بروتوكولات منع الاشتباك في البحر والجو.
الولايات المتحدة ترحب ولكن بشروط
من جانبها، رحبت واشنطن مبدئيًا بالإشارات الصينية، حيث قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة "ترى في استئناف قنوات الاتصال العسكرية خطوة إيجابية"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن أي حوار مثمر يجب أن يكون صريحًا وشاملًا ويتناول القضايا الحساسة، وفي مقدمتها الأنشطة العسكرية الصينية قرب تايوان.
وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى لإعادة ما يسمّى بـ"آليات خفض المخاطر"، التي تسمح بتبادل المعلومات بين الجيشين لتجنب وقوع حوادث ميدانية قد تخرج عن السيطرة.
الملفات العالقة.. عقبات أمام الانفراج
رغم الإيجابية النسبية في الخطاب الصيني، فإن الملفات العالقة ما تزال تمثل عقبة أمام أي انفراج فعلي.
ملف تايوان: ترفض بكين أي تدخل أمريكي في الجزيرة التي تعتبرها جزءًا من أراضيها، فيما تواصل واشنطن تزويد تايبيه بالسلاح وتؤكد التزامها بدعم "ديمقراطيتها".
بحر الصين الجنوبي: لا تزال الدوريات الأمريكية المنتظمة في المنطقة تُغضب الصين، التي تعتبرها استفزازًا مباشرًا.
الحرب التكنولوجية: تستمر واشنطن في فرض قيود على تصدير الشرائح المتقدمة إلى الصين، وهو ما تعتبره بكين محاولة لخنق نموها الصناعي والعسكري.
ويرى خبراء أن العلاقات العسكرية بين القوتين لن تتطور فعليًا ما لم يحدث تقدم ملموس في هذه الملفات السياسية والاقتصادية الكبرى.
انفتاح تكتيكي أم تحول استراتيجي؟
يبقى السؤال الأهم هو: هل يمثل هذا الانفتاح تحولًا استراتيجيًا في الموقف الصيني، أم أنه مجرد خطوة تكتيكية مؤقتة لإدارة الأزمات المتعددة التي تواجهها بكين؟
يجيب البروفيسور "جيفري لويس" من مركز مونتيري للدراسات الاستراتيجية بالقول إن "الصين تحاول التوفيق بين صورتها كقوة مسؤولة في النظام الدولي وبين تصاعد الضغوط الداخلية الاقتصادية والسياسية"، مضيفًا أن "هذا الانفتاح ربما يستهدف كسب الوقت وإعادة التموضع لا أكثر".
في المقابل، يرى محللون أمريكيون أن واشنطن قد تستغل هذا الانفتاح لدفع الصين إلى مواقف أكثر وضوحًا بشأن روسيا وكوريا الشمالية، خاصة بعد تصاعد التعاون الثلاثي بين موسكو وبكين وبيونغ يانغ في مجالات الدفاع.









