20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سجاد غفار الياسري يكتب: بين المقاطعة والجفاف.. العراق أمام معادلة العجز الاقتصادي والغذائي

أزمة الماء… جفاف الأرض والإنسان

بقلم: سجاد الياسري
٢ نوفمبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
15 مشاهدة
Screenshot_4

Screenshot_4

في الوقت الذي يعيش فيه العراق واحدة من أشدّ موجات الجفاف في تاريخه الحديث، تتصاعد حملات مقاطعة المنتجات التركية كردّ وطني على سياسات أنقرة المائية التي حرمت البلاد من حصتها في نهري دجلة والفرات. وبين حرارة الأرض اليابسة ورفوف الأسواق الفارغة، يقف العراقي اليوم أمام سؤال كبير: كيف يمكن حماية السيادة المائية دون أن تُمسّ لقمة العيش؟

أزمة الماء… جفاف الأرض والإنسان

تُظهر التقارير الرسمية أن العراق خسر خلال السنوات الخمس الأخيرة أكثر من 60% من موارده المائية بسبب التغير المناخي وبناء السدود في تركيا وإيران. هذا الجفاف ضرب الزراعة في الصميم، وترك آلاف العوائل الزراعية من دون مصدر رزق.

يقول المهندس الزراعي علي حسين البغدادي لـ”التحقيق”:

“الجفاف لم يعد موسميًّا، بل تحوّل إلى واقع دائم. دجلة والفرات لم يعودا كما كانا، والأنهار الفرعية جفّت، والمزارع تُهجر واحدة تلو الأخرى.”

تلك المشاهد القاسية لا تُترجم فقط إلى خسائر اقتصادية، بل إلى كارثة بيئية وصحية تهدد مستقبل الأمن الغذائي للعراق بأسره.

المقاطعة… من الوعي الوطني إلى ضغط المعيشة

مع تفاقم الأزمة المائية، تصاعدت حملات مقاطعة المنتجات التركية بوصفها موقفًا وطنيًا ورسالة احتجاج على سياسات أنقرة. لكن المقاطعة لم تمرّ دون آثار جانبية، إذ تعتمد الأسواق العراقية منذ سنوات طويلة على السلع التركية التي كانت تتصدر رفوف المتاجر بأسعار مناسبة وجودة مقبولة.

توضح بيانات وزارة التجارة أن المنتجات التركية شكّلت نحو ثلث السوق العراقية في مجالات الأغذية والمشروبات والمنظفات. ومع توقف استيرادها، ارتفعت أسعار البدائل القادمة من إيران والأردن والخليج بنسبة تتراوح بين 20% و40%.

ويعلّق المواطن حسين عبود، صاحب محل تجاري في الحلة:

“المقاطعة واجب وطني، لكن السوق يحتاج إلى بدائل. المواطن البسيط لا يستطيع أن يتحمّل الأسعار الجديدة، ولا يجد منتجات عراقية تنافس.”

الانعكاسات الصحية… حين يتأثر الجسد بندرة الغذاء

الانعكاسات لم تتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط. فمع قلة المنتجات المتوفرة وارتفاع أسعار الغذاء الطازج بسبب الجفاف، ظهرت مؤشرات صحية مقلقة في بعض المناطق الفقيرة.

تقول الدكتورة زينب الكعبي، اختصاصية التغذية العامة:

“نلاحظ تراجعًا في نوعية الغذاء الذي يتناوله الناس، واعتمادًا متزايدًا على الأغذية المعلبة والرخيصة. هذا يزيد خطر الأمراض المزمنة مثل ارتفاع الضغط، والفشل الكلوي، وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والمرضى.”

وتحذّر من أن استمرار هذه الحالة قد يخلق أزمة صحية موازية لأزمة الماء والغذاء، ما لم يتم دعم الزراعة المحلية والإنتاج الوطني للمواد الغذائية الأساسية.

بين السياسة والاقتصاد… من يدفع الثمن؟

يرى مراقبون أن المقاطعة ليست سببًا للأزمة بل جزء من ردّ الفعل الشعبي على تراكمات سياسية طويلة، إلا أنها كشفت هشاشة السوق العراقية واعتماده شبه الكامل على الخارج.

ويقول الباحث الاقتصادي مؤيد اللامي في تصريح خاص:

“المقاطعة بحد ذاتها موقف شجاع، لكنها لا يمكن أن تستمر بنجاح من دون بدائل إنتاجية. المطلوب اليوم خطة وطنية لإنعاش الزراعة ودعم الصناعة المحلية، وإلا سنستبدل التبعية التركية بتبعية جديدة لدول أخرى.”

الخاتمة: بين الجفاف والمقاطعة… معركة بقاء وطنية

بين الجفاف الذي يهدد أرض الرافدين، والمقاطعة التي تعبّر عن كرامة العراقي، يعيش المواطن في صراع يومي بين حاجته للعيش وواجبه في الدفاع عن وطنه.
ومع كل نهر يجف، وكل منتج يُقاطع، يتجدد السؤال: هل يمكن أن تُولد من رحم الأزمة نهضة وطنية تعيد للعراق مياهه وزراعته واقتصاده؟

إن الإجابة – كما يختصرها أحد المزارعين – ليست في انتظار المطر، بل في إرادة الإنسان العراقي الذي تعلّم أن يزرع الحياة حتى في أرض العطش.

سجاد الياسري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

سجاد غفار الياسري يكتب: بين المقاطعة والجفاف.. العراق أمام معادلة العجز الاقتصادي والغذائي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°