في يوم الصحافة العالمي، وجّهت رئيسة اللجنة الدولية لحماية الصحفيين تحذيرًا لافتًا حول تصاعد خطر إفلات قتلة الصحفيين من العقاب، معتبرة أن هذا الواقع هو "أخطر ما يواجه حرية الصحافة في العالم اليوم"، خصوصًا في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية ضد الإعلاميين في الأراضي الفلسطينية دون محاسبة أو مساءلة.
وأكدت المسؤولة الدولية، في تصريحاتها لقناة الجزيرة، أن إسرائيل لم تُحاسب خلال الـ24 عامًا الماضية على أي جريمة قتل استهدفت الصحفيين، رغم توثيق مئات الحالات التي قُتل فيها إعلاميون أثناء تغطيتهم الميدانية للأحداث في غزة والضفة الغربية. وأضافت أن “الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استهداف الصحفيين ووسائل الإعلام، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني، وسط صمت دولي مريب”.
200 صحفي ضحية منذ 2022
وبحسب بيانات اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، فقد قُتل أكثر من 200 صحفي فلسطيني منذ عام 2022، من بينهم الصحفية شيرين أبو عاقلة التي اغتيلت أثناء تغطية اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين في الضفة الغربية. وأشارت اللجنة إلى أن هذه الجريمة، التي وثقتها كاميرات وسائل الإعلام، كانت اختبارًا حقيقيًا للمجتمع الدولي، الذي فشل في محاسبة الجناة رغم الأدلة الواضحة.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن الصحفيين الفلسطينيين يعيشون في بيئة هي الأخطر عالميًا، حيث يُستهدفون بالرصاص الحي والقصف الجوي والاعتقال التعسفي، في محاولة لإسكات الرواية الفلسطينية ومنع نقل الحقيقة من الميدان. وتوثّق مؤسسات فلسطينية مثل "مدى" و"التجمع الإعلامي الفلسطيني" عشرات الانتهاكات شهريًا، بينها إغلاق مقرات إعلامية ومنع البث ومصادرة المعدات.
انتهاك للقانون الدولي الإنساني
وتشير اللجنة الدولية إلى أن استهداف الصحفيين في النزاعات المسلحة يُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي، إلا أن إسرائيل تتعامل مع الملف بمنطق الحصانة الكاملة، ما يجعل العدالة بعيدة المنال. وتؤكد رئيسة اللجنة أن "الاحتلال لا يكتفي بالقتل، بل يسعى لتبرير جرائمه من خلال حملات تشويه ضد الصحفيين والشبكات التي يعملون بها، بزعم انتمائهم لفصائل المقاومة".
ويرى خبراء قانونيون أن غياب المحاسبة يعزز ثقافة الإفلات من العقاب، ويقوّض منظومة العدالة الدولية برمتها. ويقول الباحث في شؤون القانون الدولي الدكتور سامر الدجاني، إن "المجتمع الدولي يقف أمام اختبار أخلاقي حقيقي، فإما أن يفرض المساءلة على إسرائيل، أو يكرّس مبدأ ازدواجية المعايير الذي يُضعف مصداقية القانون الدولي".
فشل المجتمع الدولي في حماية الصحافة
وتُجمع المنظمات الصحفية على أن فشل الأمم المتحدة ومجلس الأمن في اتخاذ إجراءات رادعة ضد إسرائيل أسهم في استمرار الجرائم. فالتقارير الدولية، رغم توثيقها الممنهج للانتهاكات، لم تُترجم إلى خطوات عملية على الأرض، الأمر الذي يشجع الاحتلال على مواصلة نهجه في قمع الإعلاميين وقصف المؤسسات الإعلامية.
وخلال الحرب المستمرة على غزة منذ أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 150 صحفيًا في ظروف مأساوية، بعضهم مع أفراد عائلاتهم داخل منازلهم، بينما دمّرت عشرات المقرات الإعلامية. وتصف منظمات دولية هذه الحملة بأنها "الأكثر دموية ضد الصحفيين في التاريخ الحديث".
حماية الحقيقة… مسؤولية عالمية
وختمت رئيسة اللجنة الدولية لحماية الصحفيين تصريحاتها بالتأكيد على أن حماية الصحفيين ليست مسؤولية أخلاقية فحسب، بل واجب قانوني وإنساني، مطالبة بإنشاء آلية دولية خاصة للتحقيق في الجرائم ضد الإعلاميين في فلسطين. وقالت إن "العدالة لا يجب أن تكون انتقائية، فصمت العالم عن قتل الصحفيين يعني قتل الحقيقة ذاتها".
ويؤكد المراقبون أن معركة الصحافة في فلسطين لم تعد فقط من أجل حرية الكلمة، بل من أجل حق الشعوب في معرفة الحقيقة. فطالما ظل قتلة الصحفيين أحرارًا دون عقاب، ستبقى العدالة معلقة، وستظل الكلمة الحرة هدفًا في مرمى النيران الإسرائيلية.







