أثارت تصريحات نقلتها شبكة فوكس نيوز الأمريكية عن مسؤول في الخارجية الأمريكية، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية اللبنانية والإقليمية، بعدما أكد أن نزع سلاح حزب الله وإنهاء أنشطة إيران عبر وكلائها في المنطقة هو "شرط حاسم لتحقيق الاستقرار في لبنان".
وقال المسؤول الأمريكي، وفق ما أوردته الشبكة، إن "حزب الله المسلح يشكل تهديدًا مباشرًا للبنان وجواره، وإن استقرار لبنان يمكن أن يحوله إلى فرصة استثمارية جذابة ومركز اقتصادي واعد في شرق المتوسط"، مضيفًا أن واشنطن "تدعم بشكل كامل القرار الشجاع الذي اتخذته بيروت بنزع سلاح حزب الله".
هذه التصريحات – التي تأتي وسط توتر متصاعد على الحدود اللبنانية – تُعتبر من أقوى المواقف الأمريكية تجاه سلاح الحزب منذ سنوات، وتعيد إلى الواجهة ملفًا شديد الحساسية ارتبط تاريخيًا بتوازن القوى في لبنان وبالعلاقة المعقدة بين طهران وواشنطن.
تحول لافت في الموقف الأمريكي؟
منذ نهاية حرب 2006، ظلت الإدارة الأمريكية تطالب بنزع سلاح حزب الله استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن، أبرزها القرار 1559، لكنها غالبًا ما استخدمت لغة دبلوماسية غامضة تراعي التعقيدات اللبنانية الداخلية. غير أن نبرة التصريحات الأخيرة، التي وصفت القرار اللبناني بـ"الشجاع"، تعكس – وفق مراقبين – تحولًا في السياسة الأمريكية من موقف الضغط السياسي إلى تبني دعم مباشر لعملية نزع السلاح، ما قد يشير إلى تحضير أرضية سياسية لموقف دولي منسّق.
ويعتقد محللون أن توقيت التصريحات ليس صدفة، إذ تأتي بالتزامن مع تصاعد الضغوط الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، وازدياد الحديث عن تسوية شاملة تشمل ترسيم الحدود ونشر قوات دولية موسعة، مقابل التزام لبناني بإبعاد الحزب عن الخطوط الأمامية.
سلاح حزب الله.. معضلة داخلية وخارجية
منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي، يعتبر حزب الله أن سلاحه "سلاح مقاومة" ضد الاحتلال الإسرائيلي، فيما ترى واشنطن وحلفاؤها أنه أداة نفوذ إيرانية تهدد سيادة الدولة اللبنانية. وقد تضاعفت أهمية هذا السلاح بعد الحرب السورية، حين توسعت عمليات الحزب خارج الحدود، ما عزز المخاوف الإقليمية من تحوله إلى ذراع عسكرية عابرة للدول.
ويؤكد المراقبون أن أي محاولة لنزع سلاح الحزب داخليًا ستصطدم بعقبات ضخمة، أهمها التوازن الطائفي المعقد، وضعف مؤسسات الدولة، والانقسام الشعبي حول دور الحزب في مواجهة إسرائيل. ومع ذلك، يرى محللون أن البيئة الاقتصادية المنهارة في لبنان قد تدفع فئات من اللبنانيين لتأييد مسار نزع السلاح مقابل استقرار سياسي واقتصادي مدعوم غربيًا وخليجيًا.
الدور الإيراني في ميزان المعادلة
لم تغب إيران عن مضمون الرسائل الأمريكية. فالمسؤول بالخارجية شدد على أن "إنهاء أنشطة طهران عبر وكلائها هو أمر حاسم لاستقرار لبنان والمنطقة"، في إشارة واضحة إلى أن أي تسوية لبنانية لا يمكن أن تنفصل عن ملف النفوذ الإيراني الإقليمي.
ويرى خبراء أن هذه الرسالة تحمل تحذيرًا مزدوجًا: فهي من جهة تدعو لبنان إلى اتخاذ موقف مستقل عن طهران، ومن جهة أخرى توجه إنذارًا لإيران بأن استمرار تمسكها بسلاح حزب الله سيؤدي إلى مزيد من العزلة وربما إجراءات اقتصادية أو أمنية جديدة.
في المقابل، تؤكد مصادر قريبة من محور المقاومة أن ما يجري "ليس سوى حملة ضغط أمريكية لتطويع لبنان وإضعاف حزب الله تمهيدًا لتسوية مع إسرائيل"، مشددة على أن "السلاح ليس ورقة تفاوض، بل ضمانة لردع العدوان الإسرائيلي".
الاستقرار اللبناني بين الطموح الأمريكي والواقع الميداني
تُجمع الأوساط السياسية في بيروت على أن الحديث عن نزع سلاح حزب الله لا يمكن فصله عن ضمانات أمنية دولية وإقليمية. فلبنان اليوم يقف على حافة انفجار اقتصادي وأمني، وأي خطوة غير محسوبة قد تفتح الباب أمام صراع داخلي جديد.
ويرى المراقبون أن واشنطن تراهن على تسوية شاملة برعاية أممية تشمل إصلاحات سياسية واقتصادية وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، في مقابل دعم مالي واسع من المؤسسات الدولية والخليجية، شرط التزام لبنان بسياسة "النأي بالنفس" وفك ارتباطه بالصراعات الإقليمية.
لكن في ظل الانقسام الداخلي، وضعف الدولة، واستمرار الاشتباكات الحدودية، تبقى فرص تطبيق نزع السلاح محدودة في المدى القريب، ما لم يترافق مع اتفاق إقليمي أوسع يضمن توازن المصالح بين واشنطن وطهران وتل أبيب وبيروت.










