رغم مرور أكثر من شهر على اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في شرم الشيخ بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، لا تزال أصوات الانفجارات وطلقات النار تملأ أرجاء قطاع غزة.
فقد كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في تقريره الصادر اليوم، عن استمرار جرائم القتل العمد التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، موثقًا مقتل نحو 8 فلسطينيين يوميًا خلال الأسابيع الأربعة الماضية، في مشهدٍ يعكس انهيارًا صامتًا للاتفاق الذي رُوّج له دوليًا باعتباره “اختراقًا إنسانيًا”.
ووفق المرصد، فإنّ هذه الانتهاكات تجري في ظل غياب آلية رقابة دولية فعالة قادرة على مراقبة وقف إطلاق النار أو مساءلة الطرف المنتهك، ما جعل الاتفاق، بحسب وصفه، “حبراً على ورق”.
انتهاكات ممنهجة.. سياسة قتل خارج القانون
يؤكد المرصد أنّ ما يجري في غزة “لا يمكن اعتباره حوادث فردية”، بل جرائم قتل ممنهجة ومنظمة تستهدف المدنيين الفلسطينيين العُزّل في مختلف مناطق القطاع.
فخلال شهرٍ واحد، سُجّل استشهاد أكثر من 240 فلسطينياً، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، إضافة إلى إصابة المئات بجروح متفاوتة نتيجة القصف أو إطلاق النار المباشر من قناصة الاحتلال المنتشرين قرب “الخط الأصفر”.
ويضيف التقرير أنّ هذه الجرائم تُنفذ غالبًا في المناطق المأهولة بالسكان التي يُفترض أنها خاضعة لوقف كامل لإطلاق النار، وهو ما يشكّل خرقًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني ولأحكام اتفاق شرم الشيخ، الذي نصّ بوضوح على وقف جميع العمليات العسكرية.
شلل المساعدات الإنسانية.. الحصار مستمر رغم الاتفاق
من جهةٍ أخرى، رصد المرصد الأورومتوسطي استمرار منع دخول المساعدات الإنسانية والوقود إلى غزة، مشيرًا إلى أن الاحتلال يسمح بدخول أقل من 40% من الكميات المتفق عليها في الاتفاق.
كما لا تزال وكالة الأونروا تواجه قيودًا شديدة على عملها، إذ تُمنع من إدخال الإمدادات أو الوصول إلى مناطق واسعة داخل القطاع، خصوصًا المناطق الشمالية والوسطى التي تعاني من دمارٍ شبه كامل للبنية التحتية.
ويحذر التقرير من أن هذا الوضع “يُنذر بانهيار شامل للمنظومة الإنسانية في غزة خلال أسابيع قليلة، ما لم يُتخذ تحرك دولي جاد لضمان تنفيذ البنود الإنسانية من الاتفاق.”
فشل الرقابة الدولية.. غياب المحاسبة يعمّق الأزمة
بحسب خبراء حقوقيين، فإن غياب آلية رقابة دولية مستقلة هو السبب الرئيس لاستمرار خروقات الاحتلال.
فالاتفاق الذي أُبرم برعاية مصرية ودولية لم يتضمن قوة مراقبة ميدانية أو لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ، الأمر الذي أتاح لإسرائيل مساحة واسعة للمناورة والتنصل من التزاماتها دون رادع.
ويرى المرصد أن مجلس الأمن والأطراف الضامنة للاتفاق، وعلى رأسها مصر والولايات المتحدة والأمم المتحدة، مطالبة الآن بالتدخل العاجل لإعادة فرض قواعد وقف إطلاق النار، ووضع حد للانتهاكات التي تُهدد بانفجار جولة جديدة من الحرب.
تحذير من “الانزلاق نحو الفوضى”
يخلص التقرير إلى أن استمرار جرائم القتل اليومي يُقوّض أي أمل في تثبيت الهدوء أو الانتقال إلى ترتيبات “اليوم التالي” في غزة، مشيراً إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الخروقات إلى فرض واقع ميداني جديد يُبقيه مسيطراً على أجزاء من القطاع ويُعطّل جهود الإعمار.
ويؤكد المرصد الأورومتوسطي أن السكوت الدولي عن هذه الانتهاكات سيحوّل وقف إطلاق النار إلى “هدنة شكلية”، بينما تتواصل الجرائم على الأرض بلا محاسبة.
وفي ختام بيانه، دعا المرصد إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية تشرف عليها الأمم المتحدة، وتضم خبراء مستقلين، بهدف توثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها وفق القانون الدولي.







