أعادت حكومة جنوب أفريقيا تأكيد التزامها الثابت بمواصلة ملاحقة "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية، على خلفية الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. ويأتي هذا الموقف كامتداد لخط سياسي وقانوني تتبناه بريتوريا منذ اندلاع الحرب، يقوم على تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات الواسعة التي طالت المدنيين والبنية التحتية خلال العدوان.
وتؤكد هذه الخطوة أنّ جنوب أفريقيا لا تتعامل مع الملف كقضية سياسية فحسب، بل كملف قانوني وأخلاقي يستدعي المحاسبة الدولية وعدم ترك الجرائم بلا مساءلة.
وقف إطلاق النار… لا يعني طيّ صفحة الجرائم
وشدّدت الحكومة الجنوب أفريقية على أن الإعلان عن وقف إطلاق النار — سواء كان مؤقتًا أو طويل الأمد — لا يمكن أن يُسقط الجرائم التي ارتُكبت خلال عدوان الاحتلال على غزة. هذا المبدأ القانوني ينسجم مع قواعد القانون الدولي، التي تعتبر الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة ذات طابع غير قابل للتقادم، ولا يمكن تجاوزها بتفاهمات سياسية أو اتفاقات لوقف القتال.
وتحذّر جنوب أفريقيا من أن اختزال المأساة في لحظة وقف النار يُعد محاولة لتجميل الواقع، بينما تبقى آثار الإبادة شاهدة على حجم الدمار والقتل والحرمان الذي تعرض له الفلسطينيون خلال الحرب.
موقف أخلاقي وسياسي… ورسالة للمجتمع الدولي
يحمل تصريح حكومة جنوب أفريقيا رسالة مزدوجة: الأولى أن العدالة لا تسقط بالتسويات، والثانية أن مسؤولية المجتمع الدولي هي حماية القانون، لا التحايل عليه. ومن خلال إصرارها على متابعة الدعوى أمام محكمة العدل الدولية، تسعى بريتوريا إلى ترسيخ مبدأ أن الدول — مهما كانت قوتها ونفوذها — ليست فوق القانون ولا يمكن إعفاؤها من المحاسبة على الجرائم الدولية.
ويشكّل هذا الموقف نموذجًا لسياسة خارجية قائمة على العدالة وحقوق الإنسان، في وقت يتردد فيه كثير من دول العالم في اتخاذ خطوات مماثلة خوفًا من الضغوط السياسية.
ويُظهر موقف جنوب أفريقيا أن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يشكل حجر الأساس في رؤيتها تجاه حرب غزة. وأن الإبادة، كما تؤكد، ليست ملفًا يمكن إغلاقه بوقف إطلاق النار، بل قضية تتطلب محاكمة، وتحقيقات، ومساءلة، وإقرارًا دوليًا بوقوع جريمة كبرى.
وفي ظل هذا الإصرار، يبقى السؤال المطروح على المجتمع الدولي: هل سيقف مع القانون، أم يواصل التغاضي عن واحدة من أبشع الجرائم المعاصرة؟










