ذكرت قناة كان الإسرائيلية أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، برفقة وزير الحرب يوآف كاتس ووزير الخارجية غدعون ساعر ورئيس الأركان هرتسي هاليفي—وفق ما تورده القناة—ورئيس جهاز الشاباك، نفذوا جولة ميدانية داخل الأراضي السورية. وتشير هذه التركيبة الرفيعة للمشاركين في الجولة إلى أنها لم تكن زيارة رمزية أو إجراءً بروتوكوليًا، بل خطوة تعكس سعي القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية لتقييم الوضع الميداني بشكل مباشر، في ظل تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.
وتعكس مشاركة هذا العدد من مسؤولي الصف الأول وجود نقاشات داخل المؤسسة الأمنية بشأن خيارات التوسع العسكري، سواء عبر تكثيف الهجمات الجوية داخل سوريا أو اختبار قواعد الاشتباك على حدود الجولان المحتل. كما يؤشر حضور رئيس جهاز الشاباك إلى أن الزيارة حملت أبعادًا استخباراتية خالصة، تتصل بتقدير التهديدات التي تقول "إسرائيل" إنها قادمة من العمق السوري، سواء عبر المقاومة الفلسطينية أو مجموعات حليفة لإيران.
رسالة ضغط إقليمية
تأتي الجولة في توقيت لافت، إذ يحاول الاحتلال إظهار قدرته على التحرك في أكثر من ساحة بالتوازي، رغم الغرق في حرب غزة واستمرار المواجهة مع لبنان. ويبدو أن الاحتلال يسعى عبر هذه الخطوة إلى إرسال رسالة مزدوجة: الأولى إلى النظام السوري وحلفائه مفادها أن تل أبيب لن تتوانى عن توسيع دائرة عملياتها كلما رأت «تهديدًا متصاعدًا»، والثانية إلى واشنطن بأنها ما زالت قادرة على ضبط الإيقاع الإقليمي وتقديم نفسها كحاجز أول أمام النفوذ الإيراني، ما يضمن استمرار الدعم العسكري والسياسي لها.
ويقرأ محللون إسرائيليون هذا التحرك باعتباره محاولة لتعويض فشل الردع الذي ظهر خلال الشهور الماضية، حيث لم تنجح الغارات الإسرائيلية المتكررة داخل سوريا في الحد من تصاعد عمليات المقاومة أو من تدفق الإمدادات العسكرية إلى غزة ولبنان. ومن شأن هذه الجولة أن تمنح نتنياهو فرصة لرفع معنويات قاعدته السياسية، عبر الإيحاء بأن حكومته تتحكم بالمشهد الإقليمي رغم الانتقادات الداخلية الحادة والأزمات السياسية التي تهدد استقرارها.
انعكاسات على الساحة السورية
على المستوى السوري، تعكس الجولة إدراكًا صهيونيا بأن بقاء خطوط الإمداد العسكرية بين دمشق وطهران مفتوحة يمثل مصدر قلق استراتيجي. ولذلك يُنظر إلى الجولة باعتبارها جزءًا من إعداد مسار محتمل للتصعيد، وربما تمهيدًا لموجة غارات أوسع نطاقًا تستهدف مواقع يعتبرها الاحتلال جزءًا من «التموضع الإيراني». وفي هذا السياق، فإن زيارة نتنياهو والقيادات الأمنية لا تقتصر على متابعة الوضع الأمني، بل تقدم مؤشرًا إضافيًا على أن تل أبيب تعيد تقييم ساحة المواجهة السورية بأكملها.
وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن هذه الخطوة قد تزيد من الضغوط على دمشق، خاصة إذا استثمر الاحتلال اللحظة الإقليمية المضطربة لتوسيع نطاق عملياته تحت مظلة «الدفاع عن النفس»، وهي الذريعة التي لطالما استخدمتها لتبرير هجماته المتكررة. ومن شأن ذلك أن يفاقم هشاشة الوضع السوري، الذي يعيش على وقع صراعات متداخلة منذ سنوات، ويجعل الجبهة الشمالية أكثر عرضة للانفجار.
حسابات الحرب المفتوحة
تؤكد الجولة مرة جديدة أن الاحتلال يتصرف ضمن معادلة حرب مفتوحة لا تعترف بحدود جغرافية، وأنه يواصل اختبار ساحات متعددة دون اكتراث للتداعيات الإنسانية أو السياسية. ويأتي هذا التحرك في ظل استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يشكل غطاءً يسمح لنتنياهو بتوسيع رقعة المواجهة دون خشية من المساءلة الدولية.
ويعكس اجتماع القيادة السياسية والعسكرية في قلب الساحة السورية إصرار تل أبيب على فرض معادلة ردع جديدة، لكن نتائجها تبقى رهينة موازين القوى على الأرض، خاصة مع تعاظم قدرة محور المقاومة على الردع في أكثر من جبهة. ومن غير المستبعد أن تكون الجولة تمهيدًا لخطوات أكثر خطورة، قد تدفع المنطقة نحو تصعيد إقليمي أوسع يمتد تأثيره إلى لبنان والعراق وربما البحر الأحمر.










