أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً جديداً يُعدّ من أكثر التقارير وضوحاً في توثيق الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الهجوم البري على الضفة الغربية مطلع العام الجاري.
التقرير، الذي يستند إلى شهادات ميدانية وصور أقمار صناعية ومتابعة مباشرة لسلوك الاحتلال، يضع "إسرائيل" مرة أخرى في مواجهة اتهامات جرائم حرب والتهجير القسري، وهي انتهاكات مصنّفة ضمن أخطر الجرائم التي يحاسب عليها القانون الدولي.
تهجير قسري واسع النطاق
بحسب المنظمة، قامت قوات الاحتلال بإبعاد نحو 32 ألف فلسطيني قسراً من ثلاثة مخيمات للاجئين في الضفة الغربية، وهو رقم غير مسبوق منذ سنوات طويلة، يعكس حجم العملية العسكرية وعمقها داخل التجمعات المدنية.
تشير المنظمة إلى أن العملية لم تكن "تحركاً أمنياً محدوداً"، بل حملة عسكرية ممنهجة استهدفت طرد الأهالي وإفراغ المناطق من سكانها، في سلوك يتقاطع مع سياسات قديمة هدفت إلى إعادة هندسة الواقع الديموغرافي في الضفة.
منع النازحين من العودة
ترصد "هيومن رايتس ووتش" أن عشرات آلاف الفلسطينيين مُنعوا من العودة إلى منازلهم بعد انتهاء المرحلة الرئيسية من الهجوم، وهو ما يشكل—قانونياً—عقاباً جماعياً وحرماناً للسكان من حقهم في السكن والتنقل والعيش الكريم. وتوضح المنظمة أن الاحتلال أقام حواجز ثابتة ونقاط تفتيش ومنع الدخول إلى المخيمات، ما جعل العودة شبه مستحيلة، رغم توقف العمليات الميدانية الواسعة.
تدمير المنازل والبنية التحتية
أكد التقرير أن قوات الاحتلال هدمت مئات المنازل خلال الهجوم البري، ما أدى إلى تدمير أحياء سكنية كاملة ودفع مئات العائلات إلى فقدان كل مقومات الحياة. وتعتبر المنظمة أن هذا الهدم واسع النطاق لم يكن له أي ضرورة عسكرية حقيقية، بل كان جزءاً من سياسة ترهيب وعقاب هدفها منع السكان من العودة.
انتهاك صارخ للقانون الدولي
تذكّر "هيومن رايتس ووتش" بأن تجريف المنازل بلا ضرورة عسكرية يعدّ جريمة حرب واضحة وفق اتفاقيات جنيف، خصوصاً عندما يكون مرتبطاً بتهجير قسري أو تغيير ديموغرافي مقصود.
لماذا يتصاعد النهج الإسرائيلي في الضفة؟
1. محاولة فرض وقائع دائمة
من خلال منع العودة وهدم المنازل، تسعى "إسرائيل" إلى فرض واقع غير قابل للتراجع، يُضعف قدرة المخيمات على استعادة بنيتها الاجتماعية ويكرر سيناريوهات قديمة من تفريغ المناطق.
2. رسالة ردع إلى المجتمع الفلسطيني
يرى مراقبون أن الاحتلال يريد تحويل الضفة إلى ساحة ضغط مستمر، وإرسال رسالة مفادها أن أي حراك أو مقاومة—حتى إن كانت مدنية—ستُجابَه بعملية عسكرية قاسية.
3. اختبار صمت المجتمع الدولي
تعوّل "إسرائيل" على غياب المساءلة الدولية، إذ رغم التقارير الأممية والحقوقية، لم تُفعَّل أي آليات جدية تضغط لفتح تحقيق دولي مستقل أو فرض عقوبات.
وثيقة جديدة تفضح ممارسات قديمة
يُعيد تقرير "هيومن رايتس ووتش" تسليط الضوء على واقعٍ يعرفه الفلسطينيون جيداً: سياسات الاحتلال ليست مجرد "إجراءات أمنية"، بل منظومة ممنهجة تُمعن في التهجير والتدمير وخلق حقائق جديدة في الضفة.
ومع استمرار الصمت الدولي، تظل هذه الجرائم تتكرر بلا رادع، فيما يدفع الفلسطينيون وحدهم الثمن الأكبر من أمنهم وبيوتهم وحياتهم اليومية.







