في مشهد يختزل حجم التصعيد المتسارع في الضفة الغربية، استشهد الفدائي المطارد عبد الرؤوف اشتية بعد اشتباكات عنيفة مع قوات الاحتلال خلال اقتحامها مدينة نابلس، قبل أن تُقدم القوات على احتجاز جثمانه. الاقتحام الذي جرى فجرًا تميز بطابع عسكري كثيف، يعكس حالة الهستيريا الأمنية التي يعيشها الاحتلال مع ازدياد العمليات الفدائية وعودة ظاهرة المطاردين بقوة في المشهد الفلسطيني.
قوات الاحتلال التي دخلت المدينة من عدة محاور، سارعت إلى تطويق المنطقة الشرقية ومحاصرة منزل في شارع الحسبة، قبل أن تطلق قنابل “الإنيرجا” شديدة الانفجار تجاهه، في محاولة للضغط على الشهيد وإجباره على الاستسلام، لكن الاشتباك الذي امتد لفترة طويلة انتهى باستشهاد اشتية الذي رفض تسليم نفسه، مفضّلًا المواجهة حتى اللحظة الأخيرة.
عملية عورتا… خلفية أمنية جعلت اشتية هدفًا للاحتلال
الشهيد عبد الرؤوف اشتية لم يكن مطاردًا عاديًا؛ فقد كان مطلوبًا للاحتلال على خلفية اتهامه بتنفيذ عملية الدعس عند حاجز عورتا في مايو 2024، والتي أسفرت عن مقتل جنديين من قوات الاحتلال. هذه العملية شكلت نقطة تحول في تعامل الاحتلال مع اشتية، حيث وُضع منذ ذلك الوقت على قوائم “الأهداف الساخنة”، وأصبح مطاردًا يخضع لعمليات تعقب وملاحقة مستمرة.
وبحسب تقديرات أمنية إسرائيلية، فإن قدرته على الإفلات لأشهر طويلة، وتحركه بين مناطق الضفة رغم شدة الملاحقة، جعلاه رمزًا من رموز المقاومة الشعبية والمسلحة، وأحد الأسماء التي تمثل “صداعًا أمنيًا” للمؤسسة العسكرية الصهيونية، خاصة في ظل تصاعد عمليات فردية ومنظمة تستنزف الاحتلال في الضفة.
احتجاز الجثمان
لم يكتفِ الاحتلال باغتيال اشتية، بل سارعت قواته إلى احتجاز جثمانه، في خطوة تدخل ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى الضغط على العائلات الفلسطينية، ومحاولة صنع رادع معنوي ونفسي للمقاومين المحتملين. هذه السياسة التي توسعت مؤخرًا، تكشف عجزًا عميقًا لدى الاحتلال عن مواجهة الدوافع الكامنة وراء تنامي المقاومة في الضفة، وتعكس رغبة في استثمار الجثامين كورقة مساومة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الداخلية والخارجية لفشل الاحتلال في كبح الهجمات الفدائية أو وقف تمدد مجموعات المقاومة.
نابلس… مدينة تواجه الاحتلال
عملية اغتيال اشتية ليست حدثًا منفصلًا، بل تأتي ضمن سلسلة اجتياحات متكررة لنابلس، التي باتت إحدى أهم ساحات المواجهة في الضفة الغربية. فالمقاومون في المدينة يشكلون تهديدًا مستمرًا لقوات الاحتلال، ويملكون القدرة على خوض اشتباكات عنيفة رغم محاولات الاحتلال تفكيك بنيتهم التنظيمية.
ومع كل عملية اغتيال أو اقتحام، يبدو واضحًا أن الاحتلال لا يملك رؤية حقيقية لوقف تنامي المقاومة، وأن سياسة القوة المفرطة لا تُنتج سوى مزيد من الغضب الشعبي، وإصرار أكبر على مواصلة الكفاح. وفي ظل هذا المشهد، يتحول ارتقاء عبد الرؤوف اشتية من كونه حدثًا أمنيًا إلى محطة جديدة في مسار المقاومة، تعزز حضورها في الضفة وتؤكد أن اشتعال الميدان بات واقعًا لا تملك إسرائيل السيطرة عليه.










